فأنت لا تجيد الصراخ والعويل ، ولا تكتب الشعر القصير على البحر الطويل .
لم تتقافز على نغمة القرقاشة ، ولم يخرج زبدك على الشاشة لم تحرك يديك كثيرا كثيرا كثيرا ، ولم تذكر في قصيدتك لا عادل إمام ولا شاكيرا .
اعذرنا أيها المغامر المجنون ، فأنت لا تصلح لشاعر المليون ! إنك لم تهمز في اللجنة او الجمهور ، ولم تتعملق سريعا كأي شاعر شعبي مغرور ، حتى أنك أيها المسكين لم تتحفنا ببيت مكسور فكيف بالله لا تبور ؟
عفوا فأنت لست " منهاليا" وليس لديك " نعاج " ، وهذه لوحدها ( ما يحتاج ) ..
إنك لم " تستفزع" بالزبانية ، ولم تدعوا إلى القبلية علانية ، ولم تتغزل من الجن بعيطموس غانية ، فكيف تنكح منهم سبعة أو ثمانية ؟
كان عليك الوقار والسكينة ، ونحن ننتظر الشاعر المكينة ، وتكلمت في شعرك عن أشياء لا نفقهها ، فالأولى أن نسفهك ونسفهها ، ونبحث عن شاعر ظريف خفيف ، يخلط بين هم الشعر وهم الرغيف ، ولا بأس حتى لو كان " أحمد الشريف" .
اخرج يا محمد الحويماني ، فلم يعد للذائقة أذاني ، إلا أذاني كبار ، كأنها أذاني الحصان … عليت ..
طوط طوط .
اخرج ، اخرج من رجلها اليسرى ، ودع ما لكسرى لكسرى ، وتحلَّ بالشجاعة وتزود بالقناعة واخبر نفسك أن فومها وقثائها وبصلها " ما حصل لها ".
وقل لها : لا تذيري ولا تستذيري ، فقد سبقني غيري ، من فهيد العديم إلى جابر المطيري ، وأنا لست بالصاحب المضمون ولا الشاعر " المسكون " .
البعض يتساءل عن سبب خفة الشاعر ناصر الفراعنة حين يلقي القصيدة ، والحركات التي يفعلها من تراقص خفيف مع الوزن أو إغماض العينين أوإمالة الرأس قليلا أو مضغ اللسان بعد الانتهاء من الكلام وغير ذلك .
لكن من عرف الفراعنة قديما سيعلم أنه الآن أكثر وقارا و"جنتلة" مما كان عليه في السابق .
وقد قيل عنه أشياء كثيرة : أنه كان مريضا في رأسه وتم علاجه وشفي وقيل أنه كان مدمنا على بعض الممنوعات التي تعبث بالعقل وقد شفي منها مؤخرا لكن من يرى الفراعنة في هذا المقطع سيعلم أن الرجل كان يشكو من شيء ما .
هذا بالإضافة إلى ما ترسخ في أذهان بعض الشعراء الشعبيين من ضرورة الصراخ والحضور المنبري الأكشن كي يحصلوا على إعجاب المتلقي بالقوة .
في هذا المقطع يلقي الفراعنة قصيدته التي منها هذه الأبيات :
يافهد هذي وصوف البل جاشت بجاش …. شاعر له فوق عرش الشعارى مدّّقش
يافهد جاني على سبكة المعنى خراش ….. كنّ بين اضلع حشاي الف جنّّيّ غوش
افرق النقطة عن الفاصلة بثنين داش ….. لا أبو حشّ الردي لا أبو واليه حش
عفوا : يمنع اصطحاب الأطفال وذوي القلوب الرقيقة والضمائر الحية ، فالساحة خطرة ، يا أخي بالعربي ساحة تماسيح ، حط رجلك .
ساحتنا الأدبية والشعرية والشعبية تحديدا ملغمة بالتماسيح ، والتماسيح لمن لا يعرفها مخلوقات دميمة خطيرة ، لها أسنان كثيرة لتنهش وتلوك مما ذل وخاب ، كما أنها تعيش دوما على هامش الحياة الطبيعية ، وتندس في المستنقعات طويلا لتتحين لحظة الانقضاض على فريسة الغفلة ، وعادة تكون أحد الإعلاميين الصادقين في دواخلهم والمفهين فيما بين الناس ، أو أحد الأدباء الطيبين إلى حد الثقة في كل وجه ضاحك .
وكيلا أكون متشائما للغاية ، فإن وجود التماسيح عامل ضروري لانضباط دورة الحياة والمياه والطبيعة ، فهي تأكل المخلوقات التعيسة ، وبدورها تفيد بقية المخلوقات بجلودها النفيسة ، بالله عليك كيف كنا سنعيش في هذا الكوكب الفسيح لو لم يكن هناك ما يسمى بجلود التماسيح ودموع التماسيح وساحة التماسيح ؟
وأبشركم أننا بخير ، وساحتنا بحمد الله ” مغززة ” بالتماسيح بكافة أشكالها وتخصصاتها وأعمارها .
فهناك تمساح كبير مسالم ، وظيفته بث الحماسة في التماسيح الشباب كي يقتدوا به في نضاله التاريخي ليبقى أطول زمن ممكن على عرش الساحة وفي شاشاتها وفعالياتها.
وهناك تمساح وظيفته فقط تصيد الأسماك الضالة والقباقب المتهورة وحتى الضفادع والسحالي الساحلية ، فهو دوما خلف كل ضفدع دخلت المستنقع على أوهام وردية ، أنها سوف تدخل عالم التمسحة من أوسع أبوابه ، وإن كانت تتمستح زمنا يسيرا ثم تكتشف في نهاية الطريق أنها لم تنبت لها أسنان كثيرة ولم تعد قادرة على إتقان النقيق .
وهناك تمساح متخصص بنقل الأقاويل وطبلة ” سلوم الرجاجيل ” ، فيذيع دوما أن تمساح الصخرة الجنوبية يطعن في تمساح الشجرة الشمالية ، وأن التمساح ” أبو سن ذهب ” جده الأكبر ضب متنكر .
وهناك تمساح مثقف أو متثيقف ، وجهان لتمساح واحد ، كان يسترق كتب الأدب الروسي من مغارة تحت الجبل تبدأ من لفة العطورية وتنتهي في ساحة الكرملن .
وهناك تمساح بزنز ، يظهر للسياح ويحسب أمامهم أسنانه ، ويقوم ببعض الاستعراضات التمساحية الشهيرة ، مقال مسروق مثلا ، صورة بالصدفة مع أحد النجوم ، قصيدة مدردعة ، كل هذا ليكسب آخر النهار فتات التونة التي يرميها عليه السياح الأجانب ، أما أهل الديرة فيعرفون البير وغطاه .
ولا أنسى من التماسيح ذات الموهبة الفائقة في اشتمام المصالح المادية عن بعد ، لذا ستجد أسماء هذه التماسيح معتكفة منذ سنين في تحرير الصفحات والمطبوعات وإعداد البرامج والأنشطة التي تخص الساحة ، كمهرجان التماسيح السنوي ، ومسابقات التماسيح الدورية ، ونحوها .
كما لا أنسى تلك النوعية من التماسيح التي ستجدها دائما أمامك من حيث دخلت المستنقع ، من أي جهة تشاء ، وهي تماسيح تهتم كثيرا بإظهار نفسها على أنها أرانب أنيقة أو جراذي ملونة ، أو حتى طيور كناري ، وبعضها يصدق كذبته فعلا فيبدأ بمحاولة الغناء أو القفز أو الرقص ، ولذا تولدت لنا مفاهيم أدبية جديدة مثل : رقص التماسيح وغناء التماسيح وشعر التماسيح .
المؤذي في الأمر : أنه لغلبة التماسيح الناتج عن كثرة أسنان التمساح “وطول وجهه ” في أي محفل فإن الحياة الفطرية في المستنقع مهددة بالتفكك وارتباك النظام الطبيعي ، إذ اكتسحت تقليعة التمسحة أو الممسحة كل ملامح الحياة الطبيعية هناك ، وبدأت العدوى تدب في صغار السمك والسلاطعين والضفادع ليواكبوا الموضة في تقليد نجوم ” الموسحة” ( هي العولمة لكن في ساحة التماسيح).
وحتى خيول البحر وعرائسه ويواقيته بدأت تتأثر بهذا المد السمساحي المخيف .
لحظة : يبدو أنه نبت لي الآن سن زائد ، يا ساتر .
كنت أتسكع في شوارع المنطقة الصناعية ، فوجدت آلة غريبة مكتوب عليها : آلة المستقبل ، وبها أزرار وغمازات كثيرة .
كان هناك أزرار للتواريخ ، أدخل التاريخ الذي تريده وتأخذك الآلة للزمن المختار.
ضغطت تاريخ 2050م ، فطارت بي الآلة إلى ذاك الزمن المستقبلي .
وإذا أبي أقف في مكان غريب ، تعرفت عليه بصعوبة عن طريق سيارتي المتوقفة بجانبي وإذا به هو نفس المكان الذي أقف فيه قبل دقائق .
كانت الصناعية سنة 2050 ، ولكن بلا تريلات أو معدات أو غبار أو عمال سائبين أو قطع حديد وأخشاب وأنابيب كبيرة على جانب الشارع ، يا الله ! كانت منطقة نظيفة وخضراء تمنيت لو أسكن فيها .
ركبت سيارتي وسلكت أول شارع صادفني ، كنت لوحدي تقريبا ، وليس هناك إلا سيارتي ، واكتشفت بذكاء أن المواصلات انتقلت كلها إلى باطن الأرض أو السماء. كان هناك قطارات صغيرة معلقة في جسور هوائية ، وطائرات مدنية صغيرة تطير في شبكات طرق وهمية ، وبعد كل عدة أميال يظهر نفق واسع يكشف لي حجم الحركة تحت الأرض ، سيارات وحافلات وقطارات كثيرة وحركة دؤوب .
وكان هناك القليل من السيارات الكهربائية الغريبة تتجاوزني على نفس الشارع .
فجأة وإذا بلافتة مروسة باسم هيئة أشغال ، مكتوب فيها : بشرى للسادة المسافرين عن طريق البر بواسطة السيارات الكهربائية ، سيتم الانتهاء من مشروع طريق سلوى الدولي في شهر أبريل القادم .
توقفت عند أول محطة في الطريق ، كان بها مسجد ومركز طبي ومركز تقني ومطار مدني صغير ومركز تسوق ومكابس شحن كهربائي ، دخلت الاستراحة وكان تلفزيون قطر العام يعلن :ترقبونا في شهر رمضان المبارك مع المسلسل الاجتماعي : أهلنا في زحل ، من إعداد وتقديم وإخراج وسيناريو وتدقيق وتضبيط: وداد الكواري .
فحولت التلفزيون إلى قناة قطر التاسعة : وإذا بحمد محسن النعيمي في برنامجه الأسبوعي الجديد : محيطات القوافي .
تبعت خوارط الطرق الإلكترونية حتى اهتديت إلى منزلنا ، دخلت البيت فوجدت حفيدي على الكمبيوتر ، فنهرته ألا يضيع وقته على التشات فقال : نو دادي أنا أحضر حصة التاريخ السياسي في مدرستي عن طريق تكنلوجيا حديثة زودنا بها المجلس الأعلى للتعليم ، وفجأة وإذا بالشاشة تظهر وجه معلمة غاضبة تصرخ : لو سمحت انتبه للدرس وخفف هذرة ، وإلا فانسحب من برنامج رواد الفضاء الصغار ، اووووبز ، يبدو أن طموحات هذا العصر أكبر من طموحاتنا ، كنا نجتهد كي يأخذونا على باص تاتا غير مكيف إلى مصنع الصابون في الصناعية أومصنع الحديد والصلب في مسيعيد .
خرجت من البيت وقصدت أقرب مركز تسوق ، فلاحظت أن النساء يلبسن لباسا محتشما ، ولا يطيلون النظر في الرجال الأغراب المزايين أمثالي ، وكان ذلك ناتجا من وازع تربوي داخلي لا قوة تدخل أخلاقية مزروعة في السوق .
عرجت على ستار بوكس فوجدت بعض ” الشيبان” متفرقين على الطاولات لازالوا ” يبلتثون ” كل من يظهر في الشاشة منذ 43 سنة ، تعرفت على بعض الوجوه إياها ، كان من ضمنهم إعلامي في الصحافة الشعبية .
خرجت من السوق لأكمل تسكعي المستقبلي فلاحظت أنه بعد كل كيلو متر توجد كابينة مكيفة بها شاشة فاخرة ، مكتوب على الشاشة : ادخل رقمك الوطني ، أمام إحدى الكبائن كان يقف (تنكر) ماء في مظهر يفسد جمال المشهد ، نزل منه سائق هندي ودخل الكابينة وأنا أتبعه دون أن يراني ولما وقف السائق الهندي قبالة الشاشة وأدخل رقمه الوطني ظهرت له قوائم عبارة عن أسماء كل الوزارات والدوائر والهيئات والمؤسسات الخدمية في الدولة ، وحين يضع أصبعه على واحدة منها تنفتح له قائمة جديدة تتيح له التجول في كل إدارات وأقسام الدائرة وتمكنه من كل الخدمات التي تقدمها في الواقع .
كما ظهرت أسماء لبعض المناطق السكنية في الشاشة مثل : دوفا ، نانا ، السيلية ، فضغط السائق الهندي على اسم السيلية وأكمل عمله بحركة سريعة لم أستطع متابعتها ، فلما خرج وقفت في وجهه متسائلا : رفيق شنو هذا سيلية إنتا سوي ؟ فأجاب بتلك اللكنة التي لم أنسها على مر السنين : بابا هذا نفر داخل سيلية بيت مافي ماي ، سوي طلب تنكر ماي ، أنا يجي جلدي كرو .
صحوت من النوم فزعا على صوت ” تنكر ” الماء يملأ الخزان الأرضي في المنزل .