ابن باز أو سوزان تميم أو الأعراف المتغيرة
في زمننا الذي اختلطت فيه الأعراف ، المقبولة والمرفوضة ، واختلطت فيه المفاهيم الفارط منها والمفرط ، وتداخلت فيه الثقافات والمصالح والعادات والعبادات .
فالتبس الاجتهادي بالتوقيفي ، والمعروف حاليا بالمنكر سابقا ، والثابت بالمتغير ، لذا يطالب أغلبية في مكان ما بقتل أحدهم بحد الردة لأنه أبدا رأيا جديدا في الدين أو في السلوك أو غلط في ذلك ، ويُحتفى بأحدهم لأنه تجرأ وأنكر قناعاته ، أو كسر التابو في مجتمعه ، أو في أغنية ساخرة * هزأ بأقدس كلماتٍ ( سورة الفاتحة ) عند أكثر من مليار نسمة من سكان هذا الكوكب .
أو قام بتفجير مبنى سكنيا يضم مئة منزلا من الأبرياء العزل ورجلي أمن من الأعداء المتوقعين .
في هذا الزمن المتسارع أكثر مما نستطيع اللحاق به لنكيفه فقهيا ومنطقيا وأخلاقيا ، أصبحت أكثر نبذا لذلك المذهب الفكري الذي يتوقف عند عصر من العصور السابقة ويبدأ
يخاطبني بلغته ومفرداته وظروفه ، ويتكاسل عن البحث والتقصي واحترام عقليتي فلا يستحضر لغة عصري ومفرداته وظروفه المستجدة .
قرأت مقالا لم أصدق أن كاتبه هو ابن الشيخ ابن باز رحمه الله الذي إن عُدّ عُدّ كأحد أبرز دعاة المدرسة النجدية (الوهابية إن شئت) والذي عُرف بصلابة رأيه وتمسكه بالمذهب الحنبلي الوهابي فيما يخص العقائد والتكفير والتعامل مع الأمور المستجدة في أمر الولاية أو العادات ، هذا الكاتب هو ابنه الشيخ أحمد بن عبدالعزيز بن باز والذي من أول كلمة أعلن رفضه لهذا التسليم الأعمى لكل ماهو قديم وموروث وسلفي بعنونة مقالته بـ : مصطلحات قديمة ، طالب فيها المؤسسة الدينية في بلده بإعادة النظر في بعض الأحكام الشرعية والفتاوى القديمة حول ما يتعلق بالكفر والإسلام والثوابت والحقوق العصرية وتجديد الفتاوى والنظر بعين الواقع التي تستحضر مسائل تفرق المسلمين في الأرض وضعفهم وتغير عاداتهم وحاجاتهم وومصالحهم الأولية .
الآن دعونا نعود للواقع الذي نعيشه ونقارنه بالثابت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بكل أمانة ماهي نظرة المجتمع لامرأة تظهر في الشاشات التلفزيونية بملابس كاشفة ، ربما تقدم برنامجاً تلفزيونيا تتجرأ فيه على الكثير من العادات وأحيانا الأحكام الشرعية عن جهل أو رأي ، ولنقل مثل المذيعة هالة سرحان ؟
حسناً ما هي نظرة المجتمع لامرأة تقدم نفسها للجمهور كراقصة ، مثل فيفي عبده ؟
وما هي نظرة المجتمع لامرأة تغني أمام الكل بكلمات الغزل والغنج وتتمايل وتكشف عن بعض مفاتنها ، مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي وسوزان تميم ، وربما أم كلثوم ؟
لا شك أن المجتمع لا يرى هؤلاء أنبياء معصومين ، وأنا أرى كذلك ، كما لا يراهم أشخاصا صالحين يصلح الاقتداء بهم والتشبه بهم ، وأنا أرى كذلك ، وأيضا يراهم أشخاصا فاسقين يمارسون الكثير من المعاصي والذنوب الذي سيحاسبهم الله عليها ، وبالطبع أرى معهم هذا الرأي ، ولكن ! أن يتجه المجتمع في أغلبيته إلى جر هؤلاء الأشخاص بتلابيبهم إلى جهنم ، أو الحكم عليهم بالموت ، أو التألي على الله أنهم من أهل الكفر والنار والعذاب الأبدي ، فهذا لا شك مما لا أتفق معهم فيه ، لماذا ؟
كل يوم نقرأ حديث المرأة البغي التي دخلت الجنة في كلب أسقته ! وهي بغي تمارس البغاء علنا لدرجة أن الناس يطلقون عليها اسم بغيّ ، لا مذيعة ولا مغنية ولا راقصة ، بل تمارس الزنى ليل نهار ، ومع ذلك دخلت الجنة لسقيا كلب !
فهل تستبعد أن واحدة من المذكورات قد تكون سقت كلبا ستدخل به الجنة ؟ بل قد تكون سقت حمارا وهو أكبر ، أو إنسانا ، أو أنقذته من الموت أو الفقر أو الضياع ، بل قد تكون تابت أو ستتوب إلى الله قبيل موتها ولو بدقائق معدودة ، فبأي حق تتطاول على الله تعالى في أحقيته بالحكم وتتحدث عنه أنت ؟
بالطبع أنا لا أهون من شأن الفسق والفجور ونشره للناس ، لكني أيضا لا أتهاون في مسألة التطرف في إدانة الأشخاص بخطاياهم وتقصيرهم لدرجة إيصالها لمرحلة الإقصاء التام والنبذ والعداء المطلق .
ما الذي حدى بي لإثارة هذا الموضوع ؟ لإنني تبعت هذه الأيام قضية مر عليها سنتان ، لكني تأثرت بها كثيرا لدرجة الحزن والتألم .
سوزان تميم مغنية لبنانية شابة ، مثلها مثل بقية المغنيات العربيات اللائي يطفح بهن إعلامنا العربي ، فتاة تطمح للظهور والثراء السريع والشهرة ، لذا استغلت جمالها وقدراتها الصوتية وظهرت للناس كمغنية شابة ، تغني عن الحب والحبيب والغرام وتلبس الملابس المثيرة وتركز الكاميرا على وجهها الجميل لتكسب بذلك معجبا إضافيا يزيد من أرقام مبيعاتها ، اتفقنا ؟ هذي هي لغة السوق .
كغيرها من المشاهير مرت سوزان تميم بحياة اجتماعية مضطربة ، فتزوجت مرتين وتطلقت وسافرت (بدون محرم )وتعاملت مع (رجال غرباء) ونشرت كثيرا من هذه التفاصيل على الملأ و(كشفت سترها) ثم …. ثم ….
ثم نُحرت سوزان تميم في دبي كما ينحر خروف ، وودعت الحياة .
بناء على الذاكرة الجمعية في أذهان المجتمع سواء عن حصيلة ما كانت تقوم به من أدوار غنائية تتطلب الفسق ، أو ما قامت به من أعمال مخالفة للدين والوقار والعفة كما وسمتها بين الأقواس أعلاه ، أقول بناء على ذلك فإن الذاكرة الجمعية (صوت المجتمع الخافت) تدين سوزان إبراهيم وتناشد الدين والناس بل وحتى الله أن يلحقوا بها أشد العقوبات لدرجة أن تشوى في نار جهنم خالدة مخلدة فيها تلك العاهرة الفاسقة ، ولا بأس هنا من إلحاق صفة الكافرة فهي تأتي لزاما مع الحماس الزائد .
هذه العاهرة الفاسقة قتلها أو دبر مقتلها رجل الأعمال المصري والموالي للحزب الحاكم في مصر : هشام طلعت مصطفى ، الرجل الاجتماعي المصلح في الأرض والمساهم كثيرا في تنمية الاقتصاد الوطني لدولة مصر ، بل والرجل الناجح الذي لا تحفظ عنه الذاكرة الجمعية أية حادثة تخدش الذوق العام ، فعل ذلك عن طريق استعمال ضابط أمن سابق ستجده في هذا المقطع يحاول أن يقنعك بأنه لم يقتل سوزان إبراهيم لكنه حاول ! ، ولم يفلح أبدا في إقناعي إذ كانت تعابير وجهه "البلطجية" تحرضني كثيرا على أن أظن أنه القاتل .
هذه العاهرة الفاسقة صرحت في أحد أشهر لقاءاتها التلفزيونية ، والتي يتحضر الناس لاقتناص الفرص في مثل تلك اللقاءات المذاعة لملايين المشاهدين لتمرير أفكارهم ومصالحهم ودعاياتهم ، صرحت بأنها لا تهتم بالإغراء ولا تسعى إليه ولا تحبذه حتى ، فهي – على حد قولها – لن تتعمد أو تهتم بإغراء سوى الرجل الذي ستحبه فقط وسيكون زوجها ، أما هي فتلبس مثل هذه الملابس الكاشفة لأنها تحب أن ترى نفسها جميلة في عينها ، أي ليعطيها ذلك دافعا لأن تكون شخصا يثق بنفسه ( خلل تربوي أو فكري لا أكثر ) ، فيم كان سيقتنص غيرها من الأدعياء هذه الفرصة بابتسامتهم المفتعلة وتعليقهم : ماذا أفعل ؟ أنا هكذا مغرية ، وأنا أحب جمهوري وأعشقهم .. آآآآه (شهقة مثيرة) ويستحقون أن يروني آآآآآه .. إلى آخر أساليب ، الغواية التي تهتم فقط بالربح والتجارة .
في اللقاء المذكور ، كانت العاهرة الفاسقة جادة وعفوية ومنطقية نوعا ما ، واضحة ، محترمة ، وجريحة ، نعم وجريحة ، شعرت أنها ستبكي رغم ابتسامتها التي تجامل بها الكاميرا ، لماذا تبكي ؟
لأنها ضعيفة ضائعة مشوشة في ماهو خطأ وما هو صواب ، فيما هو دين أو عرف ، فيما هو مقبول أو مرفوض ، هي حزينة لأنها وحيدة ، منبوذة من جهة ومستغلة من جهة ، والطرفان لا يستطيعان احتوائها بحب كما ينبغي كأخت أو بنت أو صنو إنساني يستحق الاحترام .
منبوذة من قِبل أرباب الأخلاق المتطرفة والدين والأدب ، ومستغلة من قبل أرباب اللذة المستترة والمادية المستترة والإجرام المستتر .
ورغم إنني شعرت أنها كانت تريد أن تبكي هناك في البرنامج ولم تبكِ ، سمعتها في مكالمة شخصية قبيل مقتلها وهي تكلم أحد معارف قاتلها هاتفيا ، وكان هو القشة الأخيرة التي يتعلق بها الغريق ، بين الكبرياء الطاهر والخوف الضعيف كانت مترددة ، مرة تقول له اسمع : أنا امرأة بمليون رجل ، يراقبني أولا يراقبني أنا لا عمل "حاجة غلط" وأهم شيء في الدنيا كرامتي ، "مش معناها إن انت هشام مرتب.. بس أنا كمان بنت ناس " ومرة تقول بضعف حرام عليه ، لأنه قوي وأنا ضعيفة يظلمني ويبتزني هكذا ؟ وتقول أنا دمرت حياتي طول عمري لأنني أرفض الغلط !
عبدالخالق خوجة وهو أحد مساعدي القاتل هشام طلعت مصطفى ، والذي لمست فيه سوزان تميم بقايا من إنسانية ، كانت تكلمه سوزان وشرحت له بكل ضعف خوفها وقلقها من تتبع عملاء هذا الثري المتنفذ لها في كل حين وآن منذ كانت في لندن ، وهنا بكت ، بكت المرأة المتلاعبة الجميلة المغرية العاهرة الفاسقة أخيراً ، وقالت عبارة أخافتني من هنا فكيف لا تخيف عبد الخالق خوجة ؟ بل أخافته لدرجة أنه لم يتغيب يوما عن أحداث قضيتها في المحكمة إلى النهاية .
قالت له وبنبرة مودعة وكأنها تقرأ المستقبل : "يمكن أعيش يمكن أموت..لكن .. إنت يا إنسان شاهد على الظلم ".
لاحظ ، كيف لم تقل له يا عبد الخالق خوجه ، ما عادت تؤمن بالأسماء ، كانت في آخر جولاتها وتراهن على الإنسان ، فقط يا إنسان كن شاهدا على الظلم لا أكثر ، وهذا ما فعله خوجة .
حسنا ،
بإمكان أية عاهرة فاسقة أن تخدع الجماهير وتظهر على قناة الجزيرة أو العربية أو روتانا وتخبرهم أنها بالرغم من كونها امرأة في الخامسة والثلاثين لكنها لا تزال امرأة عفيفة تنتظر زوج المستقبل على حصانه الأبيض .
أسبقك بخطوات ؟ لم أعد أشك في العاهرات الفاسقات فقط ، أحيانا تظهر لي أمة الله قدس الله سرها بحجابها الداكن وهي تتحدث عن تنشئة الطفل على المنهج الإسلامي ، أو تتحدث عن اعتراضها الشديد على سلوك الشباب المراهق في "قط " الأرقام بكثرة – معاذ الله – في مجمع فيلاجيو ، السد ، سيتي سنتر ، وتستغفر كثيرا وتحاول أن تقنعني بلغة جسدها وإيماءاتها الكثيرة أنها تحارب هذه الظاهرة جملة وتفصيلا ، لكني أعرف امرأة لا تخرج بدون لبس القفازات السوداء الإسلامية كيلا يرى الرجال كفيها ، لكنها في لحظات ضعفها تستسلم لعشيقها المؤقت في الصحراء ليلا وتخلع كل شي وتجثو تحثه فيما تنسى تلك القفازات الوقورة وهي تفرشها على الرمل .
حسنا ، لا تتقول علي هنا أني أهزأ برموز الدين ، أن أعترض على ممارسات البشر الضعفاء فقط ، لا تخلط أرجوك .
هذه العاهرة الفاسقة سوزان تميم ، وفي مكالمة شخصية لم تكن تـُسمع فيها أحداً من الجمهور أو المعجبين ، كانت تبكي بألم ثم أخبرتنا بتلك الأخبار الكبيرة المرهقة التي سنضطر لنقارن من خلالها نساءنا الوقورات المحتشمات بتلك العاهرة الفاسقة ، وستتفوق عليهم ، قالت متحدثة عن طليقها السابق :
- عرض علي 50 مليون دولار لأقبل به زوجا ، وإلا فمليون ليكلف من يقتلني .
- عرض مساعدته وساعدني وفعل الأفاعيل لكني أخبرته من البداية ، لا شيء هنا بمقابل .
- ليذهب بملايينه ، أريد كرامتي .
- لتعلم أنه طيلة هذه المدة ورغم هذا القرب لم أسمح له بلمس شعرة مني !
- هو رجل مقتدر لكني بنت ناس .
بالله عليك ، كم من امرأة من نسائنا اللاعاهرات واللافاسقات كانت ستسقط في أول اختبار من هذه النقاط أعلاه ؟
خمسين مليون دولار فقط لتوقع أوراق ثبوتية ومن ثم تعيش حياتها بحرية ، لكنها أبت حتى ماتت على مبدأها ولم يمس منها شعرة ! .
أراهن أن خمسين مليون دولار كفيلة بتغيير مباديء كثير من نسائنا العفيفات ، إن لم يكن بعض الرجال أيضا ، إن لم يكن بالرضى بالزواج فبمس العديد من الشعرات
أرجوكم لا تحكموا على الناس من مظاهرهم في هذا الزمان .
غفر الله لسوزان تميم .
_______________________________________
* سمعت هذه الأغنية الليلة لأول مرة ، استغربت أولا ، ثم أقشعر بدني ، ثم أدخلت السماعات جيدا في أذني ورفعت مستوى الصوت وبكيت لنصف ساعة ، وكلما يقول هذا الموهوم بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين بطريقة خاطئة ، أقولها بطريقة صحيحة وأرفع بصري للسماء وأعتذر لربي ، أعترفت له كم نحن البشر متكبرون مغرورون فيما لا نساوي شيئا في ميزان هذا الكون العظيم .
مواضيع ذات صلة
- تعدد الولاة (12)
- القص الإسلامي (4)
- محاكمة نزار قباني (4)








