دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف :
شأن قطري 5,830 قراءة
هذه الشخصية الإشكالية التي حصدت في وقت قياسي الكثير من النياشين والأقاويل والأضواء .
شخصية ديناميكية نشيطة ، لا يمر يوم إلا وتجدها تفتتح مركزا أو معهدا علميا أو إنسانيا أو تشارك في مؤتمر أو تطرح مشروعا مبتكرا .
وسأسلط الضوء هنا على تلك الأقاويل التي طالتها في محاولة جادة لتوضيح بعض الأمور لأولئك المرتابين المعترضين .
قالوا أنها ستحول قطر إلى بلد غربي ، وقالوا أنها تتعمد إفساد المرأة المسلمة ، وقالوا أن فكرها الانفتاحي لا ساحل له ، واعترضوا على ظهورها في الإعلام كاشفة الوجه متزينة ، ربما البعض لم يسمع بمثل هذه التهم ، لأنها لا تقال في المقاهي وعلى قوارع الطريق ، لا يزال الناس يخشون منزلق "حرية التعبير " .
لكن حين أنعم النظر وبإنصاف أجد أنهم ظالمون ، قوالون ، يشكون فقط من هشاشة الثقة وعقدة الارتياب من كل ما هو جديد .
والآن سأفند هذه الأقاويل واحدا واحدا ، وهي قناعتي الشخصية ووجهة نظري التي أؤمن بها بعيدا عن التشنج أو الميوعة في الرأي .
أولاً ظهورها في الإعلام :
أ- سيدة مجتمع مثل الشيخة موزة ، تحمل كل هذه الأفكار لتطوير مجتمعها ، والأفكار تحتاج إلى آليات لتنفيذها ، ومن الآليات الظهور للتصريحات أو الاجتماع بذوي الاختصاص لا يمكن أن تتحاشى الظهور في الإعلام ، إذن فالظهور هنا ضرورة لا رغبة ووسيلة لا غاية ، كما أن عصرنا عصر انفتح على الإعلام بكل طاقته ولن تجد مؤتمرا صغيرا ولا كبيرا ولا اجتماع يستحق أو لا يستحق إلا والمصورين يحيطون به من كل جانب .
ب- المتابع لأسلوب الشيخة موزة لا يجدها تهتم كثيرا بالظهور ، إنني أقرأ في وسائل الإعلام عشرات الأخبار عن الأنشطة التي تقوم بها ومع هذا لا تظهر إلا في واحد أو اثنين منها ، وليست مثل بعض المهووسين بالظهور من المسئولين والمشاهير الذين يصورون حتى سفاسف حياتهم , وعكة صحية, زيارة عادية , .. إلخ .
ج- حين تظهر الشيخة موزة في مقابلة أو تلقي خطابا مهما ، فإنها لا تلقي النكات المضحكة ، أو تتميع بالكلام ، أو تتطاول على أحد أو تتجاوز الحدود ، إنها تتحدث بأدب جم وبعقلانية وتقول كلاما مهما للغاية ، وهذه الجدية في الطرح تحول الأنظار عن فكرة ظهور امرأة حسناء إلى ظهور شخصية محترمة ، تشغل المشاهد الرجل بالتفاعل مع ما تطرحه من موضوع جاد عن خيالاته الثانوية ، تماما مثل ظهور مذيعة حسناء في قناة الجزيرة تقرأ خبرا مهما يشغل المشاهد عن النظر لوجه المذيعة، وهذا يضعف دعوى الفتنة التي يتمسك بها البعض .
د- مسألة الظهور متزينة إن كان الحكم الشرعي فيها المنع فإن هذا أمر بينها وبين ربها ، مع ضرورة مراعاة هذه النقاط :
1- لسنا في العصر النبوي أو الراشد كي نطالب بالمثاليات ، ويجب أن نضع اعتبارات عصرنا ووضعنا الاجتماعي والسياسي والعلمي .
2- نحن نعاني ومنذ قرون من مشاكل عميقة في أكثر مجالات الحياة ، الجهل، الضعف، التبعية، التمزق، وغير ذلك ، والتدرج في التطور والتغيير أمر ضروري ، فيجب أن لا نرد الأشياء الجميلة الناقصة بدعوى أنها ليست كاملة .
3- يجب أن لا يتخذ هذا ذريعة لتجاهل الحسنات الكبرى في جهود الشيخة موزة ، تلك الجهود التي تعكس جمال روحها والصدق في رغبتها لتطوير المجتمع مع الحفاظ على قيمه وأخلاقه وإسلاميته ، وأقرب دليل على هذا التوجه الرسالة الرسمية التي وجهتها لقادة مجلس التعاون الخليجي في قمتهم الأخيرة تطالب فيها بالتصدي للقنوات الفضائية الهابطة في المنطقة .
4- إذا كان بعض رجال الفقه المختصين أو المحسوبين عليهم لديهم اجتهاداتهم الخاصة عن كشف الوجه والظهور والاختلاط ، والكثير من مسائل العصر ، فليسوا بأولى منها في المناقشة واحترام الاجتهاد الفردي أو تقليده .
ولكن دعكم من هذه الأمور الجانبية وتعالوا نلقي نظرة على جهودها العملاقة في مجالات عديدة من حياتنا .
هذه المرأة ما فتئت تخدم قطر وأبناء قطر ، ولم تقف عند أهل قطر فقط بل تجاوزتهم إلى أولئك الذين حرمتهم الأيام من حضن الوطن ، أعني المغتربين .
هل يكون مشروعا بضخامة المدينة التعليمية ، أو مؤسسات الدولة المدنية المتفرعة عن مؤسسة قطر ناتجا عن نية سيئة ؟
حسنا ستقولون أن المدينة التعليمية تكرس الاختلاط والذوبان في الثقافات الدخيلة ونحو ذلك ، لكن تعالوا بالله عليكم ، لو كانت فعلا تضمر سوءا لمجتمعكم التي هي إحدى بناته ألم تكن ستجد من الخطط ما هو أسهل وأوفر من بناء جامعات ومؤسسات خدمية واهتمام بالبيئة والتعليم ؟
فكروا قليلا ، أليس بناء النوادي الليلة ودور الفجور أسهل بكثير من هذه المشاريع الإنسانية العملاقة وأسرع في الإفساد ؟
لماذا تحجبون الحقيقة وتتجاهلون أنها ومن حسها الوطني فعلت الآتي :
* ضبطت التعليم الجامعي بسن قوانين صارمة وتحديد جامعات معروفة بالجدية بعد أن كان شبابنا يقضون أربع إلى ست سنين في كل من مصر والأردن وسوريا يلعبون ويلعبون ويلعبون ، ويفسدون أخلاقهم ، وفي النهاية يتحايلون بطرق سهلة لنيل الشهادة العلمية ليعودوا ويتقلدوا أرفع المناصب في الدولة؟
* استقطبت مجموعة من الكليات المرموقة وأحضرتها إليكم في قطر بعد أن كان الأب يقترض من البنوك مئات الألوف ويرسل أولاده المراهقين لأطراف الأرض ، كندا وأمريكا وبريطانيا ، ويتركهم لسنوات عديدة يندمجون فكريا وثقافيا في تلك المجتمعات بلا رقابة أسرية ولا اجتماعية ؟
فأين أصواتكم التي تحارب الفساد حينها ؟
إنها فقط سهلت لكم هذه المشقة ولم تلزم أحدا بالانتساب لكلية معينة .
* نخلت التعليم بعد أن كان مرميا بثقله على وزارة حكومية ، تعامل المدارس كلها على حد سواء ، وبلا تقييم أو متابعة ، حتى انتشر الفساد التعليمي والتربوي وأصبح الطالب يذهب كل صباح وفي باله أنه ذاهب فقط ليلتقي بأصدقائه ليتندر على الأساتذة ويلعب الساعات الطوال في ملاعب المدرسة ويشكل مع أصدقائه مجموعات حربية كل مجموعة تغير على المجموعة الأخرى بالهراوات والسكاكين ، أما الآن فولد التعدد الاستثماري في قطاع التعليم روح التنافس والبحث عن التميز بين المدارس .
* اهتمت اهتمامها الملحوظ بذوي الاحتياجات الخاصة وأنشات لهم المدارس والمعاهد والمراكز لدمجهم في شرائح المجتمع واستثمار طاقاتهم الطبيعية، فمتى كنا نرى لهم مواقف سيارات خاصة ، ودورات مياه خاصة ، ومهابط درج خاصة ؟
ثم قولوا بالله عليكم ما دافعها لهذا الاهتمام إن لم يكن إنسانيا نبيلا ؟
* اهتمت بالأسرة بطرق عديدة ، فانشأت المجلس الأعلى لشئون الأسرة يدرس سبل تطوير قضايا الأسرة والطفل والمرأة ، ثم أنشات مركزا للاستشارات العائلية يعالج المشاكل الأسرية الفردية ، وأنشأت العديد العديد من المراكز والدور التي تهتم بتثقيف الأسرة في الجوانب المختلفة ، اقتصاديا وعلميا واجتماعيا ، ومن ذلك : دار الإنماء الاجتماعي ، وقناة الجزيرة للاطفال ، وغير ذلك .
أما إذا استغل بعض ذوي الأفكار المريضة أحد هذه المشاريع التنموية الهادفة مثل مشروع النهوض بالمرأة وتثقيفها ودمجها في المجتمع أمّاً ومعلمة وشريكة حياة فإن هذا لا يفقد المشروع نبله وأهميته ، وهذا الاستغلال موجود منذ خلق الله الأرض ومن عليها ، وبسببه عرف الناس المثل القائل : كلمة حق أريد بها باطل ، وحينئذ فالواجب هو المضي في تنفيذ مثل هذه المشاريع الحساسة بالنية الحسنة وبالضوابط الأخلاقية دون الالتفات لمحاولة إساءة توظيفها من قبل البعض .
إذن لنتفق أولا أنها تقصد الخير لوطنها وأبنائه ، إذا اتفقنا على هذه النقطة الأساسية فما بقي أمر سهل ، إن كنتم ترونها أخطأت في التقدير والتحليل في آلية التنفيذ فمناصحتها ومحاورتها أمر متاح ، وحينئذ لن يبقى بينكم وبينها إلا المنطق الأقوى .
كل هذا على فرض أنكم أصبتم في رأيكم الذي يخطّيء آلية التنفيذ المتبعة ، لكني في الحقيقة أخالفكم في معظم هذا ، فهناك الكثير من الآراء التي لا تناسب العصر وكأن المراد من طرحها فقط هو مجرد طرحها بدعوى إقامة الحجة ، فيما الحجة لا تزال محل نقاش ، وهنا تكمن علة الاتكاء على ظواهر النصوص الشرعية دون النظر لعللها ومقاصدها والمصالح التي جاءت من أجلها ، ومن ثم يؤمن الشخص بظاهر هذا النص حد اليقين ليخلص في النهاية إلى أن مجرد طرح رأيه المستند على دليله ( ظاهر النص) هو المقصود الشرعي لا سواه ، تماما كما تقول للملحد : الرب هو الله وتمضي بلا جدال .
لا يعني هذا بالطبع أني أتفق مع كل توجهاتها ، أو كل آليات التنفيذ لمقصد معين ، بالتأكيد لدي آرائي الخاصة التي تعارض رؤاها كثيرا أو قليلا أوتوافق في جزئية أو جزئيات ، وهو اختلاف صحي وطبيعي ، فليس البشر كلهم على مذهب واحد ، لكني أجد نفسي متفقا معها في الخطوط العريضة الأساسية وهو مربط الفرس ، أعني النصح والرغبة الملحة في النهضة بمجتمعنا علميا وإنسانيا ودوليا ، أما بقية التفاصيل فمجرد اختلاف في وجهات النظر . قد لا أقتنع بطريقتها في مسألة أو أخرى ، لكني أرى أنها من أجمل الأقدار التي جاد بها الحظ علينا في قطر .