دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف :
الإدارة والمشاريع 2,854 قراءة
أي مؤسسة أو منشأة لا تقوم فكرة إنشائها لأجل جمع عدد من الناس في مكان واحد ومراقبة سلوكياتهم ومتابعة شئونهم إلا بعض المؤسسات التي تقوم أساسا على هذا الهدف مثل مستشفيات المجانين والأمراض النفسية .
أما بقية المؤسسات والمنشآت والشركات فإنها تقوم لإنجاز هدف ما ، ويكون جمع الناس ( الموظفين ) في موقع المؤسسة ومتابعة شئونهم ضرورة طبيعية غير مقصودة لذاتها .
لكن بعض الإداريين ينسون الهدف الأساسي من إنشاء المؤسسة وينشغلون عنه بتسيير شئون الموظفين بشكل مبالغ فيه .
لذا تنتشر لدينا مراكز ومؤسسات تستنزف من الميزانية العامة مبالغ طائلة وخلاصة عملها اليومي أن هناك مجموعة من الموظفين يخرجون كل صباح من بيوتهم ويؤمون هذا الموقع ليبدأ العمل اليومي بتوفير الشاي والقهوة والأقلام والدبابيس لهم ، واستقبال طلباتهم في الإجازات والانتقالات والمشتريات ، ومعاقبتهم على التأخير والغياب وعصيان أوامر المسئولين ، فإذا أصبحت الساعة الواحدة والنصف يلمون نظاراتهم وهواتفهم النقالة ومفاتيح سياراتهم وبعض المكائد والإشاعات، على اختلاف طفيف في بعض الامتيازات ، فالرؤساء لهم الحق في أخذ الجريدة مثلا أو علبة محارم ورقية ، ويتوجهون إلى بيوتهم في انتظار يوم عمل جديد من الغد .
وحركة دخولهم الموقع صباحا وخروجهم منه ظهرا ودبيب أقدامهم على السلالم وأصوات محركات سياراتهم في مواقف السيارات هو المشهد المأمول الذي يطمح إليه بعض الإداريين سابقي الذكر ، فهذا يشعر الواحد منهم أنه فعلا في خلية نحل نشيطة ، لا تأخر ولا تسيب ولا لعب ، إنه بحق إداري فذ .
وستجد هذه النوعية من الإداريين يهتمون بمسألة الحضور والانصراف أكثر من الإنتاجية ، فهو يمكن أن يمرر أخطاء وتقصير الموظف في إنجاز العمل لكنه لن يسامحه لو أكثر التأخير الصباحي .
وفي رأيي أن لهذا التوجه مستند ثقافي سابق ، فقبل سنوات لم يكن هناك وسائل اتصال متطورة مثل الهاتف النقال أو الإيميل أو وسائل المحادثة الإلكترونية ، هذه الوسائل التي تجعل الوصول إلى الموظف صاحب العلاقة أمر متاح جدا دون الحاجة لربطه في مكان محدد ، على عكس الموظف في السنوات السابقة ، فهو ملزم بالحضور صباحا وشغل مكتبه ليستقبل وفود العملاء والمعاملات ، وليس هناك بديل أفضل لهذا الإجراء .
كما أن ترسب فكرة الالتزام بتوقيت العمل منذ الصغر ، واستحضار صورة أفواج الطلاب يتزاحمون على مدخل المدرسة وهناك - لابد - رجل ضخم يسمى المدير له شوارب معقوفة وفي يده عصا غليظة ويزأر بصوت مخيف يزيده سكون الصباح رهبة وصدى ، يتحين الفرصة ليصطاد فلول الطلاب المتأخرين عن الساعة السابعة ولو بدقيقة واحدة ، هذه الصورة تعمقت لدى الأكثرية لترتبط في الذهن بمسألة النظام والعمل .
ومع ذلك ، فإن هناك من الأعمال ما تحتم بطبيعتها ضرورة الانضباط في مسألة التوقيت والحضور والانصراف كأعمال الحراسة والمراقبة وكل ما يتطلب حضورا حسيا للموظف وفي توقيت محدد .
لكن في المقابل هناك الكثير من الأعمال التي لا يتعلق إنجازها بوقت ولا حضور حسي بعد الثورة الإلكترونية الحديثة التي تتيح الاتصال بالموظف بطرق مختلفة ، كأعمال التصميم والتخطيط والتسويق والمحاسبة والإحصاء وقياس الأداء ، بل وحتى الإشراف والإدارة العليا .
صحيح أن حضور المسئول لموقع العمل بانتظام يزيد من حماس وانضباط الموظفين ، فهم يرون رئيسهم قدوة لهم في ذلك ، ولكن هذه المصلحة قد تؤثر على مصالح أخرى أكثر أهمية كالإنتاجية والجودة ، أقصد إنتاجية المسئول وجودتها ، وذلك أنه قد يكون أكثر عطاء وتركيزا لو أعطي الحرية في تقدير الحاجة للحضور والانصراف والالتزام بوقت محدد للعمل .
هذه المصالح التي تنبه لها أصحاب المشاريع المتطورة في عصرنا فابتكروا بدعة " العمل من المنزل " و " العمل عن بعد " ، عن طريق الشبكات الخاصة أو شبكة الإنترنت ، واستبدلوا التقسيم الهيكلي للوظائف وهو التقسيم البيروقراطي الجامد بالتقسيم المصفوفي المرن فيما يسمى حديثا بالمشاريع (projects) ، بمعنى أن كل مشروع مستقل عن المشروع السابق من حيث الطاقم الفني والأفكار وأسلوب الطرح .
ولو دققنا النظر فإنا سنرى أن المطلوب من الموظف هو فقط الإنتاجية بجودة عالية ، أما المسائل الأخرى فهي مسائل متعلقة غير مقصودة أصلا كالاجتماعات والمقابلات والاستعلامات ونحوها، ويمكن تطويعها للهدف الأصلي ، ومثال ذلك : أن تنظم الاجتماعات والمقابلات بتواريخ محددة ليحضرها الموظف في وقتها فقط ، أما الاستعلامات فيكتفى بوسائل الاتصال المعاصرة ، ولم يبق إلا الإنتاجية والجودة وهذه لها معايير لقياسها ليس الحضور والانصراف بواحد منها .
في إحدى مؤسسات الدولة الهامة ، كان هناك رئيس قسم شاب ، من محبي " التشباتي " ولذا فإنه تقاول مع أحد المطاعم الهندية المجاورة بتزويده صباحا برغيفين دافئين يستفتح بهما يومه ، وفي إحدى المرات وهو يمشي في الممر متجها إلى مكتبه رأى عامل المطعم يحمل الكيس اليومي في طريقه إلى المكتب ثم رأى مدير الشئون الإدارية ونائب المدير يسيران خلفه على طريقة جيمس بوند عندما يتسلل لمنشأة نووية روسية ، يتخفيان خلف الأبواب وفي الزوايا حتى لا يدري المجرم الهندي المسكين بمراقبتهم له ، ولما وصل الشاب رئيس القسم مكتبه وجد الطلبية الصباحية في انتظاره ، لكن قبل أن يشطف اللقمة الأولى جاءه اتصال من مدير الشئون الإدارية يتساءل بكل حذر عن وجود طلبية تصل لمقر العمل كل يوم عبارة عن رغيفين " تشباتي " في كيس أزرق متوسط الحجم وعن طريق وسيط آسيوي طوله متر وستين سنتي أسمر البشرة ، ثم أردف المدير للشاب : إن هذه السلوكيات يجب أن تحارب لأنها قد تضر بالعمل !
هذا هو مدير الشئون الإدارية والمالية لمؤسسة هامة ، وهذه هي مهامه ومسئولياته التي يكرس عمره الوظيفي لها ، محاربة التشباتي ، ومع كثرة مهامه ومسوئلياته حفظه الله فإنه يباشر محاربتها شخصيا بمطاردة الشباتي في الممرات وطوابق المبنى المتعددة .
هذا دليل واحد من أدلة كثيرة تعكس مدى انحراف أكثرية الإداريين عن الهدف العام للمؤسسة ، وانشغالهم بتفاصيل الإجراءات الإدارية التي شرعت أساسا لخدمة الموظف ودفعه للإنتاج والعطاء حتى لو تضمنت بشكل طبيعي بعض الإجراءت الوقائية التي تحمي مصلحة العمل ، إلا أن الإنسان / الموظف هو القيمة العليا التي يفترض أن يراهن عليه ، هذا بالطبع في المنظور الإسلامي الأخلاقي للعمل ، وهو ما بدأت تنتهجه المؤسسات الغربية الخلاقة التي خذلتها جفوة المادية .
وفي الخلاصة أنا لا أدعو إلى التسيب والفوضى وترك الحبل على الغارب بلا رؤية أو تخطيط ، ولكن آمل من مؤسسات الدولة أن تعيد النظر في مسألة الإنتاجية التي هي الهدف الأساسي لأي عمل ، وليس فقط تقديس اللوائح الإدارية حتى يطول العهد وتصبح مقدسة لذاتها دون شعور الموظف بروح المصلحة التي ترتكز عليها هذه اللوائح التشريعية .
كما أتمنى أن يتم التفكير جديا في الاستفادة من متغيرات العصر التقنية بتفعيلها لتصبح جزءا من وسائل العمل لا مجرد وسائل للترفيه ، والسبيل لذلك هو بتبني مشروع العمل عن بعد لتطبيقه في إحدى الدوائر الهامة ، ومن ثم قياس الأداء والانتاج والتكاليف ، فإذا نجح فيبدأ تعميمه جزئيا على بقية الدوائر والمؤسسات .