جامعة تورنتو
عبرت حديقة آلان ، تلك الحديقة الصامتة المخيفة ليلا والتي تتحول بعد منتصف الليل إلى موعد لكل المرتابين على كافة أشكالهم .
ذهبت إلى مطعم الماسة الجديدة بعد الحديقة ، وطلبت مشكل ، كيما ولحم ضأن وخبز نان ، يم يم لا زلت شرقيا للغاية حتى في جهازي الهضمي !
جربت لأول مرة حركة كنت أراها في الشارع وكنت أهزأ بها ، يمر بك أحدهم ما أجمله وأجمل لباسه لدرجة تنفي أن يكون من الممسوسين المنبوذين لكنه قبل أن يمر بك يحرك يده بطريقة عفوية لا يقصدك بها وكأنه يدير قرصا راقصا في نادي ليلي ، يفعل ذلك مع حركة ملائمة تصدر من شفتيه ، في البداية تظنه يكلمك ، ثم تظنه مجنونا يكلم نفسه ، ثم تكتشف أنه دخل في عالم آخر انفك فيه عن عالمه المحسوس وبات يتواصل أكثر مع ما يسمعه الآن .
كنت قد أوصلت سماعات هاتفي بأذني وأدرت قائمة من الأغاني والأصوات والأناشيد بل وحتى المكالمات !
لا أخفي عليكم أني عبرت حديقة آلان وكأني أعبر دوار السويدي طيب الله ذكره ، انفككت تماما عن المكان والناس وجعلني الصوت العالي في أذني أتزامن نفسيا مع ما أسمعه ، لذا لم يبق إلا أن أحرك يدي لإدارة القرص لكني لم أفعل ذلك ، لأني كنت أسمع فيصل علوي أو منكوس ، ولا يحتاج هذا إلى موسيقى هيب هوب يدار فيه الصوت .
هذا الفعل يصلح حين تخرج لمكان تعرفه ولا تريد أن تلقي بالا لأي شيئ ، لكنه فعل يتصادم كلية مع تركيبة البدوي الذي يريد أن يكون منتبها واعيا لكل ما يجري حوله (اللقافة) ربما .
كان القمر في نحر السماء وكنت يتيما ، ربما وحيدا ، كلما حسبت الأميال بيني وبين أهلي أزداد وحشة وألما ، لذا لم أحسبها واكتفيت بمتابعة القمر وكنت أتخيل أني أراه وأنا على ظهر السبعين .
الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل ، اخترت الكرسي الخشبي الطويل في إحدى زوايا الحديقة وأكملت سماعي الحزين ، مر بي العديد من الأجناس ، العاهرات ، القوادين ، باعة المخدرات ، المثليين ، المحترمين ، الرياضيين ، الشاعريين ، المعقدين ، المغتربين ، وكنت لأول مرة أتجاهل كل من يمر وأستمع بإنصات لسماعة أذني .
الطقس هاديء جدا يميل إلى البرودة لولا ما ألبسه من ملابس ثقيلة تجعله معتدلا جميلا ، مع أنه لا يمر يومان هنا والطقس على حاله ، صحيح أنه صيف لكن به نزعة داخلية غريبة لأن يكون شتاء ، مرة تمطر ومرة تثلج ومرة تهب شمالية تشخل العظام والطقس صيفي لا تغضب هع .
وتورنتو مدينة جميلة ، أهلها ودودون نسبيا وذلك بسبب كثرة الأعراق والأصول هنا ، فهذا الحي الصيني وهذا الحي الكوري وهذا الحي الباكستاني وهذا الحي الأفريقي وهذا حي الرجل الأبيض وهذا حي الطلاب ، وهكذا ، ولا يفصل هذه الأحياء عن بعضها إلا عدة مربعات سكنية ، مما يضطرهم للتداخل والاشتراك في المجمعات التجارية والمطاعم ووسائل المواصلات .
لكنها نوعا ما مدينة غالية ، مع وجود اختلاف كبير في الأسعار بناء على اختلاف الأحياء السابقة ، فعلبة الماء الصغيرة (أم ريال) ستكلفك ما بين 3.5 ريال إلى 7 ريالات ، على حسب اختلاف المنطقة أو المكان الذي ستشتريها منه ، بقالة ، مجمع ، ماكينة شارع .
كما لاحظت في تورنتو ، وربما في الحي الذي أقطنه في الداون تاون كثرة المثليين ولا يقف هذا فقط عند شريحة الشباب المتمردين ، بل إني ألتقيت البارحة بشيخ كبير ربما تجاوز الستين ، وبستخدم عصا يتعكز عليها ويخبرني أنه منذ مراحل الشباب كان يشعر بميوله الجنسية غير السوية لكنه الآن وجد نفسه في كونه مثلياً ، ولا أدري إلى هذه اللحظة من الشخص الذي سيرغب فيه جسديا ! أم سيبحث له عن سبعيني يعامله بحنان ؟ هع ، آذيته بتعليقي لكنه قد يحتاج لما أخبرته به ، أنه رجل أخذ حقه من الحياة والملذات والتجارب فلم لا يستقر روحيا ويتشبث بما هو أكيد منه من الأخلاق والروحانيات حتى يموت ؟ لم لا يبحث في مسائل الموت وما بعده وهو قد شارف عليه ؟ .
ويبدو أن هذا التساهل الأخلاقي والديني في تورنتو نتيجة لتداخل الثقافات والأديان والأعراق ولك أن تتصور طفلا ينشأ وهو يختلط في المدرسة والشارع بأناس يقولون أن ثمة رب في السماء وآخرين يقولون نعم هناك رب لكنه هو المسيح وآخرين يقولون لا بل هو البقرة وآخرين يقولون من قال أن ثمة رب أصلا ، وقس على ذلك الاختلاف الشاسع في الأحكام المتفرعة عن الاعتقاد ، الديني منها والأخلاقي ، ومن ثم يتعب الطفل من تتبع الحقيقة بين كل هؤلاء ، وشيئا فشيئا ينحي كل هذه المسائل جانبا ويبدأ يقبل الناس ويرفضهم بناء على معاييره الخاصة ، أشكالهم ، شخصياتهم ، تعاملهم ، إلخ .
ومن ثم سادت ثقافة قبول الآخر كما هو ، مادام أنه لا يؤذيني بشكل مباشر .
وهذه الثقافة سائدة في أمريكا وكندا على العكس من الشرق الأوسط أو حتى أوروبا ، وستجدها سائدة في كل بلد حديث نسبيا ويقوم على خليط من الثقافات والعناصر والديانات .
ومسألة قبول الآخر مسألة شائكة ، يخلط الناس فيها بين الحق والباطل لدقة الخيط الرفيع بين حد العقل وحد النقل ، أو بين الحرية الشخصية وحقوق المجتمع ، وستجد هذا الخلط كثيرا في ماهو معروف اليوم في بلداننا الإسلامية بموضوع : حوار الأديان ، أو حوار الحضارات ، كما يخلط كثيرا فيه بعض المثقفين والمفكرين الذين لا يتحدثون عن سماحة الإسلام إلا من منطلقات صوفية مفرطة ، تلك المنطلقات التي تتحدث عن الحب ، حب الكون ، وحب الإنسان ، والترفع عن الآدمية ، وهي نظرية حالمة شكلية فقط ، ومن ذلك قناعة الدكتور نصر حامد أبو زيد كما في كتابه : هكذا تكلم ابن عربي ، على غرار : هكذا تكلم زرادشت ، قناعته بكون فلسفة ابن عربي الصوفي صالحة لحل مشاكلنا في عالمنا المعاصر ! وقوام ذلك أبياته الشهيرة التي يقول فيها :
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ……….. إذا لم يكن ديني إلى دينه دان
وقد صار قلبي قابلا كل صورة ………….. فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف ……………….. وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ………………… ركائبه فالحب ديني وإيماني
ماعلينا ..
ولأن الإنسان مدني بالطبع كما قرر أرسطو وتبعه في ذلك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة ، هذا أنا أمد حبالي للتواصل في جامعة تورنتو لكل زملائي من المنتسبين للجامعة .
لذا فكل طالب في جامعة تورنتو وما أكثر الطلبة السعوديين والخليجيين في الجامعة أو في برنامج اللغة الإنجليزية ، بالرغم من حنيني الدائم لأبناء بلدي قطر ، فليس هنا طالب قطري في جامعة تورنتو سواي على حد علمي ، لكن الأصدقاء في الفصل يمنحوننا بعض الحميمية .
بالأمس رأيت الفتاة بدور السعودية تبكي في الممر وكنا ذاهبين لفصل اختبار النطق ، لا أدري كيف ركبني الشيطان وأرانيها وهي قد تعرضت لأي تهديد أو أذى عنصري لكونها فتاة جميلة متحجبة وعربية مسلمة ، ربما بسبب درسنا عن التمييز العنصري (discrimination racism ) ، لذا فقدت كل مباديء الحكمة وتوقفت أمام الطلاب وكنت في مقدمتهم وقلت لها بصوت عال : سلامات بدور عسى ما شر ؟ ، قلتها مع اصطحابي لتلك الحركة التنفيشية التي يفتعلها الديك أمام دجاجاته الضعيفات !
أخبرني أحد الزملاء أنهم كانوا في ولاية بريتش كولمبيا وحدثت مشاجرة حقيقية بين طلاب عرب (سعوديين ) ورجال كنديين في شارع حر خارج الحرم الجامعي ، وما لفت نظرهم هو مشاركة الهنود للعرب في تلك المشاجرة ممن كانوا فقط يعبرون الشارع ووجدوا ذاك القتال بين العنصر القمحي والعنصر الأصفر !
بعدها زار الشباب السعوديين رجل ضخم يعتبر عراب العصابة الهندية وكان يصرخ بغضب ويسألهم بإلحاح أن يخبروه حينما لا يشترك رجل هندي في الشارع في نزاعاتهم مع الأجانب الغربيين ، لأنه يريد أن يلقن ذلك الهندي المتهاون درسا في الانتماء لا ينساه ، وكرر أننا أمة واحدة ، وثقافة واحدة ودين واحد وبشرة واحدة ، فنحن صف واحد !
يالله كم هذا شاعري حتى لو كان في موضوع همجي مثل مشاجرة مراهقين أو سكارى في شارع .
حين تكون مغتربا تحترم الانتماء كثيرا ، الانتماء أنك لست وحيدا منبوذ ا مهملا ، هناك خلفك من يعرفك ، يعرف أباك ، أمك ، خالك ، نسبك ، هناك من يسندك ، وأنك مدعوم ولديك من يشعرك بالأمان والقوة والثبات ، لذا قال الشاعر :
الذيب لا استوجع عوت خلفه ذياب ….. والحمل لا استوجع تنزح وماما
ماما هنا من المأمأة وهي صوت الخروف والجدي .
مواضيع ذات صلة
- رجل العائلة (10)
- خطايا (6)
- الدكتور سلطان ضابت الدوسري ووزارة العمل (15)
- وش أخباري ؟ (5)









