دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف :
دراسات نقدية 3,382 قراءة
أولا : عيوب الفكرة
1- شيوع الفكرة : فالكتابة حول فكرة سبقك إليها سبعة ملايين شاعر ضرب من العبث والتكرار .
حبذا لو كانت الفكرة جديدة .
ماذا يعني ؟ أكتب قصيدة عن سكان زحل ؟
لا ، وفعلا أن تكون الفكرة شيئا جديدا لم يسبق التطرق إليه فهذا مطلب عسير ، لكن المراد أن تبعد الفكرة قدر الإمكان عن تلك الأفكار المقتولة بالاستعمال الاستهلاكي كالتغزل المجرد بجسد الحبيبة ، التباكي على الزمن الماضي والأطلال ، بكائيات فلسطين ، القصائد الوعظية .. إلخ .
وقد عرف الشعر الشعبي بعض الأفكار الجديدة لكنها مع كثرة الاستعمال أصبحت قديمة ، منها فكرة قصيدة الحلم التي يفعل فيها الشاعر الأفاعيل ثم يفاجيء المتلقي في النهاية بعبارة : صحيت من نومي .
ولكن إن حتم الموقف الشعري الكتابة عن فكرة مطروقة فهنا يجب أن يعمد الشاعر إلى التجديد في الأسلوب المؤدي إلى تلك الفكرة ، إذن الفكرة / الغاية قديمة لكن الأسلوب / الوسيلة جديدة .
كل عام يطيح تسعة ويصفى لي وحيد [ محمد بن فطيس]
ليت الشوارع تجمع اثنين صدفة … لا صار شباك المواعيد مجفي [ البدر ]
2- ومثل إعابة الفكرة بشيوعها تعاب أيضا بإمعانها في الغرابة التي لا تستقيم .
ثانيا : عيوب البحر
اختيار البحر الشعري للقصيدة مهم أيضا ، ودعك من القول أن الحالة الشعرية هي من فرضت هذا البحر أو ذاك ، حسنا يمكن قبول هذا على نطاق ضيق، إنما لا يؤخذ على إطلاقه ، إذ توجد بحور شعرية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها بحور سخيفة لا شاعرية ، لذا استبعد بعض العرب بحر الرجز عن البحور الشعرية ، لأنه بحر عسكري يشبه طبول الحرب ولم يبتكره المرتجز الأول لمجالس الأنس والشعر ، كما أنه سريع جاد .
أما القصيدة التي يريد شاعرها أن تؤثر في المتلقي التأثير البليغ فيجب أن تسير في موجة شعرية متدفقة ، لا مجرد عبث عروضي شاذ قد يدعو إليه حب التفرد .
ولا يعني هذا أني أطالب بمقاطعة بعض البحور الشعرية المعروفة مقاطعة تامة في مقابل تفضيل بعضها، لكن أرى أن بعض البحور لا تكوّن قصيدة جميلة، مثل :
1- البحور القصيرة جدا ، ومثالها قول الشاعر :
يا حبيبي لا تغيب ….. بعدك أورثني السهر ، أو طاروق الونة الإماراتي ، وأشباه ذلك .
والسبب أن هذه الأوزان القصيرة لا تسمح للشاعر أن يصنع جملة ذات روح ، فكيف بجملة إبداعية ؟ فما يكاد يبدأ الشاعر أول البيت بالكلام حتى يتوجب عليه التوقف بعد كلمتين أو ثلاث عند نهاية الشطر ، فمتى صنع لنا جملة مضاف بها عبارة قوية تحمل صورة شعرية مؤثرة ؟ أبدا لم يتسنى له ذلك .
2- كتابة الشطرين في البيت الواحد على طاروقين مختلفين متباعدين ، مثل ما تكثر منه الشاعرة الإماراتية الشابة شيخة الكتبي ومن ذلك :
وآتذكّرْ إنّي ما حبيّت بَعـدك .. ثَـاني
وْ صدرك اللي مُغتَرِبْ أَتـذكَّره : مَوطني .
على أنه قد يوفق شاعر في الكتابة على بحرين متجاورين ، فيخرج بخليط جميل .
3- الكتابة على طاروق طويل جدا حد الملل ، طويل بمعنى تكرار المقاطع العروضية ، وينتشر هذا في بعض شعر أهل جنوب الجزيرة .
4- العبث بالأوزان عبثا مخلا أو شاذا ، كدمج بعض الأوزان ببعضها أو القفز على وتيرة عروضية لا نهاية لها، مثل ما يكثر منه ناصر الفراعنة ، ومنها قصيدة الإيعاز (لليمين در ) ، وإن كانت في الحقيقة كتبت على بحر طويل جدا كما في النقطة السابقة ، لكنها تبدو عند الإلقاء كما في النقطة هذه.
5- البحر الهلالي : وقد يخالف البعض في هذا العيب ، ولكني أجده عيبا في القصيدة المعاصرة ، إذ تجاوزت الذائقة هذا البحر الذي أكل عليه الشعر وشرب ، بل
لم يكن هناك غير هذا البحر في حقبة زمنية ماضية ، مما جعله في هذا العصر ثقيلا مملا ، بيد أن الدكتور غسان الحسن عضو لجنة شاعر المليون صرح بأنه لا يقاوم سحر هذا البحر .
ثالثا : عيوب القافية
1- نمطية الكتابة على ناعشة وقارعة (عروض وضرب ) متلازمتين في أكثر الأبيات مثل :
يمين .. يميني
عرين .. عريني
2- التقارب الصوتي بين قافيتي الصدر والعجز ، ( ـام ـان أو ـين ـيم ) ، مثل قول محمد بن فطيس :
وخالص ٍ من طيب ظـن ٍ موهقنـي سنيـن ……. وظاهر لي عقب عرف العرب عقـل ٍ جديـد
3- القافية الواسعة جدا ( حرف الروي ) كأن تكون حرف الألف فقط فيقول : السما ، الدعا ، الرضا
أو تكون حرف الياء فيقول : يسمعني ، يطلع لي ، المحمي .
4- القافية الضيقة جدا ( لزوم ما لا يلزم بشكل زائد ) وذلك لأنها تلجيء الشاعر إلى التزام قافية محدودة توقعه في الضعف ورداءة العبارة لأجل أن ينتهي إلى قافيته تلك ، وتظهر هذه الحالة عادة عند المبتدئين في الشعر ، من باب التدليل على شاعريتهم ، وقد توجد عبثا بين بعض الشعراء من باب المزاح الشعري، مثل :
التزام قافية تنتهي بـ ـواسب : رواسب ، حواسب ، كواسب .
5- القافية الثقيلة ، واللا شاعرية ، وهي القافية التي يتجاور فيها حرفان فأكثر من الحروف الثقيلة من حيث النطق والجرس الموسيقي أو الدلالة ، ومثالها :
راضخ ، فاضخ ، وبعض قوافي المتسابق في شاعر المليون محمد بخيت المنهالي في قوله : صفط ، ينسرط ، يمتغط .
6- تكرار الكلمات في القافية مرتين فأكثر .
7- القافية المستهلكة ، بسبب الكثرة العددية للكلمات التي تندرج تحتها ، فتصبح مطية للشعراء ومن هذه :
ـيها ، ـاها ، ـبها ، ـابها ، ـانها ، ـيني ، ـاني ، وأشباهها ، على أنه يجدر التنويه أن بعض هذه القوافي قد تتجاوز عيب الشيوع الممل على يد بعض الشعراء القادرين على خلق كلمات واشتقاقات وأدوات جديدة ، ومن ذلك قول ابن فطيس في إحدى قصائده :
لاهي ومرٍ منت لاهي تليهى ، لكن الشائع والمنتظر من هذه القوافي استهلاكها .
8- القصيدة المهملة ، وهي التي لا تلتزم بقافية الصدر
رابعا : عيوب الأسلوب
1- التكرار المباشر السلبي :
لاشك أن التكرار وجد في لغة العرب لفائدة ، وقد بين علماء اللغة فوائد التكرار والمواطن التي يكون فيها مفيدا مضيفا ، لكن بعض الشعراء يعمدون إلى التكرار السلبي الذي لا يضيف شيئا ، أو يضيف أقل مما يسلب من جمالية العبارة تكرار الكلمات أو الجمل ، ومثال ذلك :
قول الشاعر : أنا أنا يا صاحبي ما نسيتك
وقول الشاعر :يا حبيبي يا حبيبي لا تغيب
وقول النادرة :يا سعود لا تنشد عن الحال يا سعود
و قول محمد ناصر الشهواني : الله يعين الله يعين الله يعين المبتلي
فيما يختلف الأمر حين يكون التكرار من الجناس الذي يضفي على الجملة حسنا بديعا ، كقول الحميدي الثقفي :
صاح بي صاحبي والليل عطر الكتابة
وقول حامد زيد :
بسامح واتركك تحت الظلام الحالك لحالك
وهناك دراسة قيمة للدكتور صالح العبود حول التكرار في شعر حامد زيد ، وقد تناول عملية التكرار بإطلاق ، المباشر منه وغير المباشر ، وانتهى إلى النتيجة أن حامد زيد كثير التكرار السلبي .
2- التقريرية : وهي المباشرة في اللغة الشعرية إلى حد هبوطها من مستوى الشعر إلى مستوى التقرير .
3- الغموض العبثي ، وهو نقيض التقريرية .
خامسا : عيوب عامة
1- الحشو : وهو الكلام الزائد عن حاجة المعنى ، ويدخل تحته النوع السابق : التكرار السلبي لكني أحببت إفراده هناك لكثرة شيوعه وجهل الأكثرية بكونه شكل من أشكال الحشو هذا ، والحشو قد يكون بزيادة حرف أو كلمة أو جملة أو بيت شعري أو عدة أبيات ، ومنه ما هو واضح يعترف الجميع برداءته ومنه ما هو خفي يختلف الناس في تشخيصه .
وقد أفردت له دراسة بعنوان : زوائد الشعر نقائص .
2- تضمين اللغة الفصحى : وقد أصبحت موضة في فترة مضت ، لكنها لم تطل ولله الحمد ، مثل قول حسين بن سودة :
لم ألاحظ أي فـارق بيـن طبعـك وطبعـي
3- تحوير الكلمات : مثل قول ضيدان بن قضعان :
والله بغايات النفوس أدرائي
وقول عبد المجيد الزهراني:
أمشي ولا وين ؟ مدري بسْ نشف دمي
وقول خلف المشعان :
وارقى ع الضلع العالي
وقول محمد بن راشد آل مكتوم
ياهديّـة ورد م الـحـبّ العـمـيـق
وقول مهدي بن سعيد :
يغني في شمالـه والدمـوع تهـل لجنوبـه
وقول بدر صفوق :
ورغـم هـذا كـان يتساقـط غنـاه إعـذوبـة
وهنا يجدر التنويه أن بعض الشعراء يكتبون الكلمات بناء على طريقة لهجتهم في نطقها ، وهذا قد يشفع، لكن الإخلال الذي لا يغتفر إن لم يكن تحوير الكلمة تابع للهجة معينة بل للضرورة فقط ، كما في قول ابن قضعان السابق .
4- اختلاف التذكير والتأنيث في مذكور واحد ، مثل قول محمد بن راشد آل مكتوم :
أنا مشتاق باكلم حبيبي …….. ولكن للأسف ما كلمتني
5- اختلاف الإفراد والجمع في المعطوفات على بعضها ، كما في قول طلال السعيد :
البارحه هاجت علي التفاكير ……… ليلي قضيته بين هوجاس وافكار
6- اختلاف طريقة النطق بين كلمتين متساويتين ، كما في قول حسين بن سودة :
لم الاحظ أي فـارق بيـن طبعـك وطْبعـي
7- همزة القطع : الشعر الشعبي تابع للهجة الشعبية في آليات النطق من تسكين وتحريك وتنوين وهمز ووصل وغيره ، والمتحدث الشعبي لا يهمز كثيرا ، كما لو كان على قراءة ورش ، لذا فإن اصطدام المتلقي الشعبي وخصوصا القاريء بهمزة قطع في جملة شعبية تزعزع انسيابية التلقي لديه ، وكلما كثرت الهمزات قوي العيب .ومن ذلك قول متعب التركي :
جيت ابي عمري اللي إكتشفته سدى .
8- القوالب الجاهزة : والمقصود بها تلك الكلمات أو الجمل التي شاع استعمالها لأهداف محددة في القصيدة ، مثل :
يا راكب اللي ، يا أريش العين ، يا وجودي ، أنا أشهد أن .. إلخ .
9- ركاكة البناء : وهي عكس الجزالة والانسيابية ، وعادة تأتي نتيجة إدارج الكثير من الضمائر والأدوات والحروف ( حروف الجر – حروف النسخ – أدوات الشرط – أدوات الاستفهام ) في عبارة واحدة ، والكثرة تتحقق باثنين فأكثر .
أو نتيجة التقديم والتأخير والحذف والتقدير في العبارة .