يوليو
27
نداء الربيعي
دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف : صفحات مطوية 2,690 قراءة

الكثير لا يعرف نداء ..
تقول إنها هربت من معابد الآلهة قديما ، وتقول إن أباها تكهن لها بنبوءة تعيسة ، أنها وجدت في الزمن الخطأ !
تقول عنها الروايات أنها أرملة لها أذنان من زئبق وعينان من نار ، وأنها تأكل الأطفال في الدهاليز المهجورة .
تقول عنها الروايات ما لم تقله العجائز لأطفالهن ساعة النوم .
ونداء الجريح شيء آخر ، غير ما يقولون .
فتاة لم تكمل الثلاثين بعد ، أنبتها العراق على ضفاف دجلة ، من مزيج ثقافي ، أب عراقي وأم روسية في لينين غراد أيام الدراسة ، وخرجت نداء للحياة .
لم تكن تعي سبب وجودها في دمشق ، وانتسابها لمدرسة زينب الهلالية الابتدائية !
لماذا لا تكون مدرستها الرشيد مثلا ، أو زبيدة ؟
حسنا دمشق وبغداد فمان لجرح واحد ، هكذا أقنعت نداء الصغيرة نفسها ..
وكبر الجرح يا نداء ..
وكانت اللحظة التي تنتظرين خطوات أبيك الرجل الصادق حد التضحية ، لكنه لم يأت ، كان الرجال حوله يقلبون جثته الباردة ويلومون وفاءهم .
وكنتِ بيدين ناحلتين تحضنين وجهه الخالد بتساؤل لا يزال …
لماذا قتلوا أبي ؟
مر عام 1987 بدونه ، وانقطع صوته من البيت ، وعفت رائحته من الجدران شيئا فشيئا ..
كبرت نداء سريعا ، وكبر الجرح .
وتعملق الشعور داخلها بالإحباط وسوء الظن والغضب ، لماذا يغتالون الأخيار المناضلين من أجل العدل والحرية ؟
سقطت بغداد 2003 ، وسقطت معها الأوهام والأساطير والتاريخ ، وعاد المهاجرون المرهقون إلى عراقهم الحلم ، عراقهم الأولى ، هارون الرشيد ، بيت الحكمة ، إسحاق الموصلي ، علي بن أبي طالب ، لكنهم وجدوا كل شيء إلا العراق .
وكانت نداء في الزحام ، رائحة النفط والبارود والاغتصاب والجريمة والمال والدسائس ، وأين رائحتك يا عراق !؟
طردوها قسرا إلى دمشق من جديد ، دمشق عاصمة العرب والإسلام لسنين طويلة ، حسنا شعرت بالأمان نداء من جديد ، لكنه شعور طفولي غير مدروس .
في المعتقل كان الرجال يقهقهون على رأسها وهي شبه واعية ، وكان كل شبر من جسدها يؤلمها حد الغثيان .
كانت تراقب ابتسامته الخبيثة وهو يسلبها كل شيء ، حتى ثمرة جسدها الغضة ، كان مقززا ومستثارا ويخاطب أصدقاءه خلف الباب وهو يهتز فوقها بطريقة منظمة تدعو لفقدان الوعي من جديد .
بقيت في المعتقل أشهر وهي نصف واعية لما يحدث ، فقط تشعر أنهم يقتلونها كل يوم برصاصة بطيئة ، إلا أنها لا تستطيع أن تموت أو تسامحهم ، أو تسامح الوطن .
بعد تدخل سياسي ، عادت نداء إلى هولندا الوطن البديل ، محملة بالإثم والانكسار وانتفاخ في بطنها .
وهي الآن تعيد التفكير من جديد كيف تواجه الوطن !
مواضيع ذات صلة
- إعدام صدام (16)
- ليلة طيش (7)
77 تعليقات »
