دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف :
رؤى أدبية 1,049 قراءة
للشاعر نفس متعالية بعض الشيء ، فهو يحب أن يكون مستقلا ومتميزا عن البقية ، ويحب أن يُسعى إليه لشعره لا أن يسعى للناس .
لذلك لا يتواصل أكثر الشعراء مع الإعلام كما يجب .
وكبرياء الشاعر ناتج عن شعوره بالهبة التي منحه الله إياها دون البقية ، وهذا ليس خاصا بالشاعر فقط ، بل كل الموهوبين يشعرون بهذا التميز وينتظرون من الآخرين أن يميزوهم بما لديهم ، وأن يتلقوا هذه الهبة النادرة بشيء من الاحتفاء والاحتفال .
ومن هذا أعرف العديد من الشعراء يجدون صعوبة في التواصل مع محرري الصفحات والمجلات الشعرية والبرامج التلفزيونية لنفس السبب ، وهو أنه من المفترض أن تسعى إليه المطبوعة أو القناة وهي ممنونة أيضا ، لتنشر قصائده بطريقة تميزه عن البقية .
وقد اكتشف بعض الإعلاميين الناجحين هذه النقطة لدى الشعراء وفهموها باكرا ، لذا نجحوا في تميز منابرهم الإعلامية التي يعملون عليها ، وفلسفة هذه المسألة بسيطة ، إذا قلنا أن الشاعر يشعر باستعلاء فطري ، لذا فإنه يظل في برجه ينتظر المعجبين يتمسحون ويتبركون بأنواره ، فإن الإعلامي عكس هذا تماما ، الإعلامي مقتنص للمعلومة ، يبحث عنها ويذهب إليها ويصطادها في أعمق الأعماق ، وهنا تلتقي الطبيعتان .
والملاحظ أن الكثير من الشعراء لم يشاركوا في برنامج شاعر المليون ، خوفا منهم من أن يجمعوا مع البقية في سلة واحدة مما يذيب شعورهم بالتميز والاختلاف حتى الواهم منهم ، أو خوفا من أن تساء قراءتهم من قبل الجمهور والحكام ، لذا يفضلون البقاء في عزلتهم على المشاركة .
وكبرياء الشاعر أمر ملموس منذ القدم ، فالمتنبي الذي يعتبر شيخ الشعراء كان مصابا بالكبرياء إلى درجة المرض ، ومن ذلك أشعاره الطافحة بالعجب بالنفس وتضخم الذات ، حتى وصل به الأمر مرة أن يمدح أمه بكونه ولدها ، فقال :
فلو لم تكوني بنت أكرم والدٍ ………… لكان أباك الضخم كونكِ لي أما
وغير هذا من النرجسية الزائدة المبثوثة في قصائد شيخ الشعراء .
وقد يضاف لمسألة كبرياء الشاعر مسائل أخرى يتصف بها الشعراء مما يقوي لديه الإصرار على البقاء في الظل قدر المستطاع .
ومن تلك المسائل صفة القلق والارتياب المحتقنتين لدى الشاعر ، فهو دائم القلق والريبة من أشياء كثيرة ، ومنها مسألة الظهور والتعاطي مع الإعلام ، إلا أن يصادف وجود إعلامي ماهر في التعامل مع الشعراء ، يغوي هذا الشاعر بطرقه الخاصة للظهور .
ومن قلق الشعراء قول أبي الطيب :
على قلق كأن الريح تحتي ………. تسيرني يمينا أو شمالا
كما يتصف الشاعر أيضا بالخجل ، ولا أدري لماذا ، بالرغم من كونه ينشئ الكلام بطريقة لا يستطيعها البقية إلا أنه يشعر بالتلعثم في داخله ، وكان أحمد شوقي أكثر الأحيان يصاب بالانغلاق عندما يريد أن يلقي قصيدته على الجموع المستمعة ، فيوكل من يلقيها عنه وهو بجانبه .
ورغم هذا فإن هناك نماذج من الشعراء تشذ بسلاطتها وقدرتها على تجاوز عقدة الخجل الدفينة .
والكبرياء لدى الشاعر قد تأخذ أشكالا سيئة ، خصوصا لدى الشعراء أنصاف المتعلمين ، ومن ذلك نلاحظ كثيرا في حوارات بعض الشعراء إلغاءهم للشعراء الآخرين كأن يسأل الشاعر عن شاعر آخر فيجيب : لا أعرف هذا الاسم !
أو التهجم على الآخرين بالشعر أو الكلام ، أو التعامل مع الناس بتكبر واستعلاء .
والوعي والتعليم والاطلاع يجعل الشاعر يدرك بدايةً أنه مصاب طبيعيا ببذرة الكبرياء ومن ثم يمكنه من تهذيبها وتشذيبها ، فيعتدل في منطقة وسط فوق الاعتداد العادي بالنفس ودون التكبر .
مواضيع ذات صلة