السياسة الشرعية والسياسة الشرقية

20 نوفمبر 2007
التصنيف : قضايا معاصرة Please wait

machiavelli السياسة الشرعية والسياسة الشرقية

إن تقطعت بك السبل ولم يكن هناك ما تتقنه في الحياة فجرب أن تكون سياسيا أو شاعرا .

يقول عبدالله القصيمي : العرب ظاهرة صوتية ، وبعيدا عن مناقشة فكر القصيمي ( أقول هذا قطعا للطريق على العرب الصوتيين الملاقيف ) فإن هذه المقولة صائبة إلى حد بعيد ، فالعرب منذ القدم مشهورون بالكلام ، والمحفوظ في الثقافة العربية هو أن الشعر ديوان العرب ، مع ما يصاحب الشعر من نقاش ونقد ولغط وثرثرة أدبية .

ما علاقة هذا بموضوعنا ؟ إنه فن الكلام ، أو بالأصح فن كثرة الكلام ، إن كان من الفن في شيء .

الشعراء والسياسيون من أكثر المخلوقات هذرة ، وبما أني أريد قصر الكلام على السياسة في شرقنا المهذار فأقول:

أظننا من أكثر الشعوب حديثا عن السياسة بالتوازي مع كوننا من أقل الشعوب ممارسة لها ، ويبدو أن كثرة كلامنا فيها نوع من التنفيس و ” فش الخلء(1) ” .

والسياسة عرفت قديما بأنها علم الدولة أو علم السلطة وهو أبلغ ، ووردت كلمة السياسة كثيرا في المؤلفات الإسلامية تحت مسمى : السياسة الشرعية وهناك من تلك الكتب : السياسة الشرعية لابن تيمية والطرق الحكمية لابن القيم والأحكام السلطانية للماوردي والأحكام السلطانية لأبي يعلى وغيرها .

وكل هذه الكتب تبين الأساليب الشرعية لإدارة الحكم بين الحاكم والمحكومين وهي مسألة الخلافة والولاية أو بين المحكومين فيما بينهم وهي مسألة القضاء ، أما غير ذلك فلا يوجد فئات من الناس يشتغلون بالثرثرة الزائدة في كل منبر ، وهم ما نسميهم اليوم بالسياسيين .

فلان سياسي ! أو زد قليلا وقل : فلان سياسي محنك ، ماذا يعني ؟

في البلدان التي تمارس بعض الحرية السياسية قد يكون لهذا الوصف معنى ، وحينها يكون معنى فلان سياسي محنك ، أي : دجال مراوغ لا يصدق في وعد ولا يحفظ أي عهد ولا يرقب في أحد إلا ولا ذمة ، والولاء والخيانة ونقض العهود والتلون والتقلب ألعابه الصغيرة التي يلعبها كي يصل لأهدافه القريبة والبعيدة .

إن السياسي في تلك البلدان لابد وأن يمارس عملا حقيقيا تصح نسبته للسياسة أو بعض أشكالها ، فهو قد يكون منتميا لحزب سياسي موافق أو معارض للحزب الحاكم ، أو قد يكون عضوا في منظمة سياسية تعد الدراسات الاستراتيجية ولها علاقة مباشرة بأصحاب القرار ، أو كاتبا في صحيفة أو أستاذا في جامعة وهو بالتالي لديه من التأثير ما يجبر الأنظمة إلى تغيير سياساتها الداخلية أو الخارجية .

لكن تعال إلى أصحابنا ذوي الحناجر والأقلام المملوءة بالصراخ والعويل والخوف والمداهنة ما الذي يقدمونه لنا؟

تصفحت مدونة أحد الصحافيين المشهورين فوجدتها سبورة متسخة بالمقالات السياسية التي لا أدري ما الجديد المفيد التي تقدمه للقاريء .

عناوين مثل : العالم الإسلامي يتفكك ، الأزمة بين السعودية والنظام السوري .. إلخ

حسنا ، العالم الإسلامي يتفكك ، وماذا لديك ؟ مفك يربط براغي العالم الإسلامي ؟ ثم للتو علمت أنه يتفكك ؟ .

ومثل هذا العديد من العناوين السياسية التي نقرؤها في الصحف والمجلات .

هؤلاء الكتاب السياسيون ليسوا في الحقيقة جزءا من المنظومة السياسية ، لا في الداخل ولا في الخارج ، وربما تجد أحدهم في الواقع مدرس رياضيات للمرحلة الابتدائية ، والآخر فني اتصالات ، والثالث صحفي ، مطلقا أنا لا أعلق المهارات على التخصص الحياتي ، لكن هذا أنا قلتها : مهارات ، أو هوايات ، والسياسة لدينا اليوم هواية من لا هواية له ، قلّب جهاز التحكم بين القنوات التلفزيونية لثلاثة أيام تباعا وستجد لديك ما تود أن تقوله ، لكن قله لأصدقائك وأسرتك ومعارفك ، لا تجعل من هذا قضية دولية ، حسنا أنا لا ألومك كثيرا ، اللوم على المنبر الذي يتيح لك كل هذا التمدد الثرثار على هيئة تخصص علمي .

أصبح كل من يملك قلما معبأ بالحبر أو كيبوردا موصولا بالكمبيوتر يستطيع التنظير السياسي ، لا ، ليته يستطيع التنظير السياسي حقا ، عندها قد نستفيد من بعض النظريات الجديدة ، المصيبة أنهم لا ينظر ولا بطيخ ، فقط يصف ويستعرض المواقف السياسية بشيء من السطحية البلهاء ، يكرر هذا كثيرا فيصبح مفكرا سياسيا !

ورغم ذلك ..

هناك من يستحق المتابعة ، ليس لأنه مفكر سياسي ، بل لأنه مفكر حقا ، ثم لتأتي السياسة لاحقا .


(1) فش يفش فشا فهو فشفاش أي : سياسي عربي .

12 تعليقات

  1. عماد حيدر Windows XP Internet Explorer 6.0
    23 نوفمبر 2007 @ 8:32 م

    صدقت

  2. سعد الحوشان SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 7.0
    13 ديسمبر 2007 @ 11:35 م

    ولكن يا عبدالله، هذا أمر موجود في كل مكان وفي كل مجال في الحياة برأيي. قصورنا كمسلمين لهذا الزمن ربما يظهر نقائصنا، كالأمر الذي تكلمت عنه، أكبر من مما هي عليه بالواقع. ولكن هذا بأي حال لا ينفي النقيض، إنما يثبت درجة وعينا الاجتماعي به. لست أفهم بالسياسة، ولا أهتم بها، ولكني أحاول أن أجعل ثقافتي السياسية الصغيرة واقعية وصحية على الأقل، وعليه، أعلم بأن تعميمك هو تشاؤم مثل الكلام، كلاهما أمرين اشتهرنا بهما مؤخراً. أرى أنك تدور في حلقة مفرغة إلى حد بعيد، لست تقول أكاذيب أو تفتري على الواقع، ولكنك لست مدرك له تماماً برأيي. وربما تقع ببعض الأخطاء التي تشجبها، على أني أوافقك أنه لا فائدة من الطرح بلا حل أو محاولة على الأقل، ولكني لا أعترض على الطرق التي لا توافق رأيي، لأنها ببساطة أمور غير مستجدة، ولن تنتهي.
    إن العلة ليست بكثرة أشباه المفكرين السياسيين لدينا كما تعبر، فأنا أثق أنهم كثرة في كل مكان، العلة هي في وعينا تجاه المفكرين الحقيقيين. وهذا ما يجعلنا نحسب أنهم كثرة لدينا فقط وليس لدى غيرنا الأكثر وعياً.
    قس على هذا كل الحال في مجال آخر.
    أرى ثقتك بفكرتك وأتفهم عدم اعجابك بالأشكال التي تتحدث عنها. لا يعجبونني كذلك، في أي مجال.

  3. عبدالله UNITED STATES Windows XP Mozilla Firefox 2.0.0.11
    14 ديسمبر 2007 @ 2:20 ص

    سعد :
    حسنا قل لي : كيف سيكون شكلي في المقال أعلاه لو كنت مدركا للواقع ؟
    بشكل أوضح : ما إدراك الواقع الذي فاتني ولمسته في المقال ؟

  4. سعد الحوشان SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 7.0
    16 ديسمبر 2007 @ 4:45 م

    أعتقد أني شرحته بالمقال؟

    الأمر ليس غريباً، ليس مستجداً ولا يستحق الشكوى، إنه من لوازم الحياة، إذا أردت الحياة فخذها بخيرها وشرها، وما تشتكي منه ولا يعجبك، هو من شر الحياة لا فكاك منه. وعليه، أعيد المسألة إلى وعينا بالجانب الجيد من الأمور. فكما قلت أنت، يوجد مفكرين يستحقون المتابعة، ولو ركزنا عليهم، لما همنا أمر المطبلين الآن، فلا فكاك منهم أساساً، وهم موجودين في كل مكان ليس لدينا فقط، ليسوا من عيوبنا وحدنا، ولكنهم موجودين.

    مع الاعتذار عن كثر الهذر.

  5. عبدالله UNITED STATES Windows XP Mozilla Firefox 2.0.0.11
    17 ديسمبر 2007 @ 2:07 م

    فعلا يا سعد :
    هي مسألة الهذر فقط : )
    لكن هذرك جميل ، لا تترك المثبطين ينالون منك ويوهمونك أن هذرك مزعج .
    اممممم سعد ألا تلاحظ أن هذا التوجه الذي تدعو إليه ، التوجه الذي يطالبنا أن نترك الأشياء على حالها ، ولا نغيرها لا بأيدينا ولا بألسنتنا ولا حتى بقلوبنا توجه سلبي جدا ؟
    ليس هذا فحسب ، بل عند محاولة التنظير له سيوقعك في التناقض .
    مثلا : تقول لي دع الحياة تمر هكذا كما هي عليه ، لا تعترض ، لا تشتكي ، لا تنتقد .. إلخ .
    حسنا ألا يجب أن تتركني أمارس كل هذا بالحق أو بالباطل بناء على منهجك اللامعترض ؟
    وبدوري أطالبك أن لا تعترض علي أو تقومني أو تصحح لي أخطائي المتعلقة برؤيتي للواقع وإدراكي له .
    لاحظت ؟ منهجك ينقلب على بعضه وبالأصح هو لا منهج .
    تحياتي يا سعد .

  6. سعد الحوشان SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 7.0
    19 ديسمبر 2007 @ 2:50 ص

    لكل شيء ما يصلح له يا عبدالله. منهجي كما تعبر ليس منهجي تجاه كل شيء، فليس كل شيء يستحق الشكوى والتذمر، وبالمقابل، ليس كل شيء يكفي أن نتذمر ونشكو منه، بل يجب بذل المزيد. ما أطالب به هو، إعطاء كل شيء قدره، لا أكثر، ولا أقل. فمنهجي تجاه الموضوع الذي تتحدث عنه، هو أنه أمر لا يستوي بالواقع سوا كما هو، في كل مكان بقدر ما تفرضه قدرات البشر وامكانياتهم. وبقدر ما فيه من سوء، إلا أن الشكوى لن تغير شيء، تغيير الوعي هو ما قد يغير واقع الناس، وليس واقع الحالة. هذا في أمر موضوعك الذي تناقشه.
    ربما أنا لم أعبر كما يجب. وربما رأيي خطأ برمته، ولكني أعيش وفقاً لما أرى، بعدما كنت أعيش وفقاً لما ترى أنت، وأجد نفسي أسعد الآن.
    شكراً على المجاملة، ما يشعرني بالإرتياح هو أنه لا أحد مضطر لقراءة هذري هنا أو في أي مكان آخر، ومع ذلك وجدت من يجاملني، من حيث لم أتوقع المجاملة بالواقع.
    عيدك مبارك

  7. عبدالله UNITED STATES Windows XP Mozilla Firefox 2.0.0.11
    23 ديسمبر 2007 @ 10:45 م

    سعد :
    أنا فعلا مهتم بما تتحدث عنه لكنك لا تريد أن تتحدث ، مثلا تقول : كنت تعيش وفقا لما أرى أنا والآن تغيرت وأصبحت أسعد ، حدثني عن هذا التغير فلربما أجد فيه مهربا لي .

  8. سعد الحوشان SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 7.0
    27 ديسمبر 2007 @ 9:27 ص

    همممممممممممم… والله يا عبدالله هو أمر صعب اختصاره عموماً، على أني لا حاجة لي بقول هذا، فأنت تعرف بأني لا أعرف كيف أختصر على ما أعتقد.
    عموماً سأخبرك الآن ما يمر في خاطري وأهم ما قمت به حتى لا أطيل كثيراً.
    تركت الجدال، وأرجو أن لا يعتبر ما نحن فيه هنا جدال وأنا لا أدري. فلم يعد يهمني أن أثبت وجهة نظري لكل من اختلفت معه، لم يعد يهمني أن يقتنع من أمامي ما دام لا يريد، أو ما دام لا يناقش، إنما يجادل. جنبي هذا الناس المستبدين في رأيهم. وجعل نفسي أكثر ارتياحاً، وجعلني أكثر هدوء كشخص.
    كذلك، تركت الاهتمام بكل شيء، أو بأكثر الأشياء، أو بتعبير أدق، إعطاء الأمور أكبر من حجمها، الأمور والأشخاص بالواقع. فلكل شيء حجمه.لو قسمت اهتماماتي، أو كيفية إشغال فكري، فهي على هذا النحو: 90% على بضعة أشياء تهمني، و10% على كل شيء آخر حتى أبقى معاصراً، على بعض الإلمام، وما يحوز اهتمامي أكثر، يدخل في الـ90%، التي لا تثبت الأشياء فيها بالضرورة. يساعد هذا المرء برأيي على التخصص أكثر، والإنتاج أكثر بما يبرع فيه في كافة جوانب حياته بدلاً عن إضاعة الوقت والجهد والمعنويات، والمعنويات أهم شيء برأيي.
    ومن ناحية أخرى، وبشكل مرتبط بما فوق، لا أشغل بالي كثيراً بالانتقاد والحماس لأشياء ربما لا تكون تستحق كل هذا.
    وهذه بعض الأشياء يا عبد الله التي أتصور أن لذكرها فائدة، أما غير هذا فقد لا يكون ذا علاقه أو لي نظرة في طرحه هنا.
    وبقولي أتمنى أن لا نكون نتجادل، فليس فقط لأني لا أحب الجدل، ولكن لأن ما قد يناسبني قد لا يناسبك، لأننا شخصين مختلفين كثيراً على ما يبدو. كما أن الأمر يتعلق بقدرات المرء العقلية. فأنت تبدو لي كشخص ذكي “ما شاء الله” بنوع من الذكاء الذي من الصعب كبحه، ولست أنا من هذا، من أوله إلى آخره، بشيء.
    والسلام

  9. عبدالله UNITED STATES Windows XP Mozilla Firefox 2.0.0.11
    27 ديسمبر 2007 @ 12:16 م

    [فأنت تبدو لي كشخص ذكي “ما شاء الله” بنوع من الذكاء الذي من الصعب كبحه، ولست أنا من هذا، من أوله إلى آخره، بشيء.] : لا لا صدقتك : ) .
    حسنا سعد ، جميل أنك تجد الراحة في منهجك الأخير ، أهم الشيء الارتياح الداخلي ، والناس يختلفون فيما يشعرهم بالارتياح ، البعض لا يجد راحته إلا على خط النار حيث الجثث والحرائق والدماء ، والبعض لا يجد راحته إلا في الظهور والشهرة وحصد الأضواء ، وآخرين يجدون ارتياحهم في العزلة ، إلخ .
    لذا ما يريحك قد لا يريح غيرك ، هذا متعلق بشكل أساسي بتركيبة كل منا النفسية والعقلية والثقافية ووو .
    لكن هناك همسة أخيرة : الإنسان دائم التغير والتجريب ، حتى بعد سبعين سنة مخولا لأن يغير معتقداته وولاءاته وحتى دينه ، وهذا مصداق حديث القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، لذا تنبه فقط أنه ليس ثمة مرحلة أخيرة للبحث ، ما وصلت إليه الآن ويشعرك بالرضى قد لا يفعل ذلك بعد سنين ، أو في مكان آخر ، أو مع أشخاص آخرين ، فكر في هذا فقط .
    لك مودتي .

  10. سعد الحوشان SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 7.0
    28 ديسمبر 2007 @ 5:28 م

    هذا جزء من فلسفتي. وبقدر ما يبدو التغير أمر خطير، بقدر ما أجده باعث على الأمل أيضا.
    مع علمي أن بعض الأمور التي اخترتها لنفسي هي أمور مجربة. كترك الجدال الذي حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وما كنت أمزح بخصوص ذكائك. أعتقد انك حرك وفطين ما شاء الله.

  11. الطاووس QATAR Windows Vista Internet Explorer 7.0
    20 يناير 2008 @ 6:23 ص

    نحن وباختصار شديد نسير على سياسه
    من نوع اخر تسمى بسياسه

    (( هزي يا نواعم ))

    وسياسه اخرى يقال لها

    (( السح الدح امبوه الواد طالع لأبوه ))

    ياخي اي سياسه تريد وعن اي كتاب تتحدث في مجتمع اصبح 4/3 مفوهون وكتاب و شعراءوسياسيون واعلاميون و4/1 المتبقي ” مع الخيل يا شقرا ”

    في عصرنا الحالي بإمكان اي منا ان يكون بالصفه التي يريد وبالكلام الذي يريد

    وسيصفق له من يريد ومن لا يريد

    اتمنى ان لا يفهم احد ما كتبت

  12. عبدالله QATAR Windows XP Internet Explorer 7.0
    20 يناير 2008 @ 1:39 م

    عني انا فهمت : )

اترك لي وسمك