دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف :
قضايا معاصرة 1,808 قراءة

مدخل
واقعنا الإسلامي العربي مؤلم ، هذا لا تنتطح فيه نعجتان ، الغرب يحاربنا في أفغانستان والعراق وفي نبينا وديننا ومظهرنا الإسلامي ، ونحن بلدان متفككة وأنظمة سياسية متشنجة تهتم بمصالحها الخاصة على حساب كل شيء ، كل شيء ، وفينا انقسامات خطيرة ، سنة وشيعة وجهاديين وتكفيريين وعلمانيين وسلفيين ووسطيين وجهلة ، وأنظمتنا الاقتصادية والصناعية متخلفة ، فنحن في ذيل قائمة الاستهلاكيين وليس لنا قدرة على الاستقلال والاستغناء عن النظام العالمي الحديث إلا بصعوبة وتضحيات كبيرة .
هذه الانقسامات تكلفنا الكثير ، تبقينا في نقطة البداية أطول وقت ممكن ، فكلما جدت مسألة مصيرية احتجنا للوقت الذي تمر فيه على كل قنوات الاختلاف حتى يتجاوزها الواقع في غير مصلحتنا ، في الغرب يتحد الناس تحت راية واحدة لينجزوا أعمالهم ، أمريكا مثلا ، حينما تناط مهمة ما بأمريكا فإن كل ما يصدق عليه إطلاق كلمة أمريكي ينضوي تحت هذه الراية ليساهم في إنجاز هذه المهمة ولو كانت مشاركته فقط بالصمت إن كان غير متفق مع البقية من ألوان الطيف الأمريكي ، وكذلك يتكرر الأمر في : الاتحاد الأوربي ، يهود العالم ، العلمانيون .. إلخ .
لكن تعال إلينا ، لن تجد راية واحدة سالمة من التمزق ، جامعة الدول العربية ؟ المسلمون ؟ السنة ؟ العرب ؟ ما الذي يجمعنا ؟ لو ناقشنا مسألة صغيرة مثل توحيد العملة العربية ما اتفقنا على شيء ، فكيف بقضايا هامة مثل : لبنان وإسرائيل ، العراق ، الإرهاب ، احترام الإسلام .. إلخ .
هذه الانقسامات التي تأكل من جسدنا العربي الإسلامي الواحد لا تؤخرنا عن الركب الحضاري فحسب ، بل ستطردنا خارج خارطة العالم الحاضر ، وسينتهي بنا الأمر إلى أن نغيب تماما كأمة لها وجود وتاريخ وسنتمزق مزقا صغيرة تلوكنا طاحونة العالم الصناعي الحديث ، فستجد هناك إقليم للمسلمين العرب تحت القوة الهندية وأخرى تحت الامتداد الصيني أو الفارسي أو الأوربي أو الأمريكي لا فرق ، وهذا ما جرى للأمة العربية أيام الاستعمار الصليبي والشيوعي ، حيث يرتفع علم الإمبراطورية الأم على منارة المسجد في المدن العربية المتناثرة . نحن الآن ننظر لتلك الحقبة من التاريخ بأسى وشفقة ، وربما نحمل المسلمين وقتها بعض المسئولية وربما لا نفعل ، الأكيد أننا نعتبر أنفسنا الآن أكثر وعيا وإدراكنا لقوانين اللعبة ، لكنا في الحقيقة واقعون في نفس الخطأ السابق .
كلما تركنا الرابط الرئيسي الذي يجمعنا كمسلمين جهلا أو تجاهلا ، كلما كثرت الروابط الداخلية التي تقسمنا وتضعفنا ، وفي الأسطر القادمة سأتعرض لبعض هذه الروابط الوهمية التي تمزق وحدتنا ، كأمثلة فقط ، وإلا فإن أشكال اختلافنا كثيرة متكاثرة ، معتمدا على استقراء بسيط للتحزبات العربية التي نراها في الإعلام والقرارات السياسية والعسكرية ، لدرجة أن الواحد ينبذ الحق الذي يذكره خصمه ليس لأنه يراه باطلا وإنما لأن هذا الأخير يختلف معه في “رابط” آخر .
قناة الجزيرة : ( قناة عربية في قطر ، رائدة في التغطية السياسية )
هذا رابط وهمي يعقد الناس هنا حوله الولاء والبراء ، بين مفرط ومفرّط ، يغالي البعض فيجعل قناة الجزيرة الوجه الوحيد في الأرض للحق والعدل والكمال فيذهب يبرر حتى أخطاء القناة وتقصيرها ولؤمها البشري ، ويغالي البعض فيرد كل حق من قبلها ويتهم دوافعها ونواياها بالبهتان والعمالة والماسونية حتى .
نحن في الساحة العربية نماذج للمواطن العربي ، جمعتنا التكنولجيا فقربت البعيد واستنطقت الساكت وأزالت الشريط اللاصق عن أفواهنا المكممة ، إذن من المفترض أننا نسعى للاجتماع ولم الشمل والاتفاق العملي في مواطن كثيرة تجمعنا ، لكنا أبدا لم نفعل ، وأخذنا نكمل الدور العابث المرسوم لنا بالتقاتل على لقمة الخبز والفكرة والكلمة وطريقة اللبس .
إن من العدل البديهي أن نعترف لهذه القناة بتفردها من حيث النوعية بداية ، فهي انبثقت علينا فجأة من جدار إعلامي صامت منذ قرون ، ومن حيث طرحها الجريء والمثير للتساؤلات ، لنتساءل نعم لكن لا نتهم ، لننتقد نعم لكن لا نقصي ، والمراقب لبعض أعضاء الساحة سيجد أن هذا ” الرابط الوهمي” تجذر لديه لدرجة أنه يعتبر تصيد أخطاء قناة الجزيرة وبثها ونشر المواضيع المتكررة عنها فقط هو واجب أخلاقي أو ديني لا يقبل التأخير والتساهل ، وأنه بهذا يعين على جمع العرب في طريق الوحدة .
وصور الولاءات كما يلي :
إذا نشرت الجزيرة خبرا عن الشأن الأمني السعودي الخاص فإنك أيها الموافق لهذا النشر أما :
قطري : والقطري النموذجي شخص يكره المملكة العربية السعودية ويتصيد عثراتها ، وبالضرورة سيكون موافقا على الوجود الأمريكي في قطر ” قاعدة العديد ” وسيكون من دعاة التطبيع مع إسرائيل بدليل موافقته على المكتب التجاري الإسرائيلي في قطر ، وبشكل عام هو شخص ضعيف التدين ومشبوه الانتماء ويدعو لانفلات المرأة ، وفوق ذلك هو بالتأكيد مخلوق ” صلبي” خضيري .
وبذلك علينا نفي الخبر الجزيري من أصله وإساءة الظن بأهله ورد كيدهم في نحورهم أو سيكون هذا الموافق لنشر خبر الجزيرة .
معارض سعودي : يتشفى بمصائب السعودية ، ويعمل على بث الفرقة وزعزعة الأمن ولا يريد لهذا البلد أي خير أو صلاح ومنطلقاته كلها فاسدة كحب السلطة أو الانتقام أو العمالة للأعداء ، وليس له من هدف وراء هذا إلا إحراج نظام الحكم السعودي ، وبذلك علينا نفي الخبر الجزيري من أصله إساءة الظن بأهله ورد كيدهم في نحورهم . والكثير الكثير من هذه الولاءات الصغيرة السخيفة التي ترد الحق بكل أشكاله ولا تؤمن بمقولة ” الحكمة ضالة المؤمن ” ، فيما يمكن أن يكون هذا الموافق لنشر الخبر غير ما سبق كله ، قد يكون من المسلمين المكلومين في إسلامهم وعروبتهم ونظامهم السياسي ، والذي يرى أن الإرهاب الداخلي في البلدان العربية الذي يستهدف المسلمين أمر مرفوض تماما بغض النظر عن أهدافه أو جنسية الدولة التي نفذ فيها العمل الإرهابي ، وبالتالي هو يخاف من هذا الإرهاب ويرفضه في بلده والبلد المجاور وفي كل بلد ، كما أنه يشيد بجهود قناة الجزيرة أو أية قناة أخرى ستخدمه بإطلاعه على الأحداث الداخلية التي ولد وشب وشاخ وهو محروم من الاطلاع عليها وكأنه هامش غير مفيد ولا يحق له الإسهام في حل مشاكل أمته أو حتى الإطلاع عليها .
ولو قلبنا الصورة أعلاه أي : سلطنا الضوء على ردود الأفعال تجاه معترض اعترض على جزئية من عمل قناة الجزيرة لسمعنا من يقول :
هذا شخص مدجن موال للنظام وقد يكون رجل مخابرات وهكذا . تخيل أننا في ساحة معركة ضد عدو ما ، إسرائيل ، أمريكا ، إيران ، مخلوقات فضائية من كوكب زحل ، كتيبة من الجراد السام .. إلخ ، أو إزاء جمع كلمة المسلمين في أمر مشترك ، مقاطعة اقتصادية مثلا أو تسجيل موقف أو مطالبة جماهيرية عريضة ، وأثير موضوع الجزيرة في الصف العربي ما السيناريو ؟ الله يستر بس .
ابن لادن : ( مسلم ثائر على العنجهية الغربية عن طريق الجهاد العسكري )
هذا أيضا رابط وهمي يعقد الناس حوله الولاء والبراء بين إفراط وتفريط ، يغالي البعض فيجعل ابن لادن ملاكا إسلاميا ، حامل لواء الجهاد في هذا العصر ، وأعلم علماء الدين ، وأسيَس رجال السياسة ، ولن ينهزم ولن يقتل ولا يتصور أنه قد يقصد شيئا فيكون الناتج غيره ، وكل ما يجتهد فيه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ويغالي البعض عكسا فيرى ابن لادن دجالا يعتمر عمامة الدين ويضمر النفاق ، وكل أفعاله موقعة برضا العدو وهم من يسهل له تنفيذ عملياته ، أو مغفلا يحركه العدو كجندي الشطرنج ليخدم أجندته السرية بدون علمه ، أو مسلما ضالا يحارب عموم المسلمين من منطلق عقدي بحت ” التكفير” ولا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة .. إلخ.
وصور الولاءات كما يلي :
لو انتقد أحدهم توقيت البيان المتلفز لتنظيم القاعدة ، أو حتى أحداث سبتمبر ، مستدلا أن هذا الفعل استبق جني الثمرة ، أو أضر أكثر مما نفع لتوجهت إليه أصابع الاتهام هكذا : انبطاحي : لا تهتم بقضايا المسلمين وما عليك إلا تعاهد أدوات الرفاهية في معيشتك ، وأنت بهذا مثبط اتكالي .
علماني : لا تؤمن بالجهاد أبدا ، ولا أي تسييس للدين ، وتعتنق المذهب الذي يرى بمصافحة الغرب دوما والاقتداء المطلق بمنهجهم .
جامي : لا تخرج عن رغبة الحكومات قيد أنملة ، وتشترط إذن الوالي للخروج في الجهاد وهو لم ولن يأذن بالطبع وتصنف الجهاد المعاصر ضمن انحرافات الخوارج ، وابن لادن شيخ الخوارج المعاصرين .
عميل مخابراتي : مدفوع الأجر وربما أذعت موضوعك هذا لتتصيد الأعضاء اللادنيين لتقبض مكافأة الخدمة .
أما لو قلبنا الصورة ورصدنا ردود أفعال المعارضين لمن يتفق مع القاعدة كلية أو في جزء صغير فسنجد هذه الاتهامات : تكفيري : تتقرب إلى الله بقتل الأبرياء منطلقا من تكفيرك العام لكل الشعوب الإسلامية المعاصرة ، أو حتى بعضها كالحكومات ورجالها ومن يعينها حتى ولو كان بائع خبز يسهم في تقوية اقتصاد الحكومة الكافرة .
خارجي : تستبيح دماء المسلمين لفعلهم الكبائر ، وربما تكون أحد أفراد التنظيم ولديك الآن خطة قيد التنفيذ لتفجير مدرسة أطفال .
فيما قد يكون أحد الصوتين أعلاه لشخص لا ينتمي لواحد من التصنيفات المذكورة ، هو مسلم بسيط وجد نفسه جزءا من هذا النظام الإسلامي أو العربي وله قناعاته الخاصة بكل شيء ويحب الله والرسول ولم يؤذ من قبل ولو قطة وهو أيضا حانق على الوضع الإسلامي ومتألم كالبقية ، لماذا نجعل تصور هذا شيئا من المستحيل ؟ وهذا الرجل قد يشكل معي ومعك ومع الآخر أرضية قوية للوحدة التي تعتمد على التكاشف والشفافية والوعي والحوار ، بمعنى أنا أنتقد ابن لادن هنا أو أتفق معه لكن هذا لن يمنعني من شبك يدي بيدك وأيدي الآخرين في رباط حقيقي قوي لا رباط وهمي ، ولن أسمح لهذه القناعات الفردية التي هي من باب الاجتهادات الظنية أن تفكك تراصّ صفنا المتلاحم .
الفكرة الأولية التي ترتبط في الأذهان عندما يطلق اسم ابن لادن هي االعداء لأمريكا أو الغرب وهذه الفكرة قد لا يختلف عليها المختلفون من حيث الأصل ، لكن صور العداء لأمريكا تختلف من شخص لآخر ، فلماذا لا يجمعنا هذا الأصل ونفترق عند التفاريع ؟ حسنا أنا أحارب أمريكا ولكن بطريقتي ، أمريكا أو أي دولة تحاربني ، سأحاربها بنشر الدعوة الإسلامية مثلا ، وسأنتقد ذاك الذي عبر عن حربه لأمريكا بالعمليات العسكرية ، لكني لن أقصيه على طول الخط ، أعرف أن هدفنا واحد لكن أساليبنا مختلفة ، لن أبالغ في إقصائه لدرجة أني أنسى الرابط الأصلي بيننا وأدني من سواه ، أمريكا ربما .
قطر والسعودية : ( جارتان شعبيا ضرتان سياسيا )
هذا أيضا نموذج للروابط الوهمية التي تعمينا عن الرابط الأصل ، وأصل هذا الرابط الوهمي (الجنسية) مرفوض شرعا وعقلا ، وهو أغلوطة استعمارية لتفريق المسلمين والعرب ، إذ كرس الاستعمار هذا المفهوم الغبي حتى اعتنقه الأكثرية ، أعني مفهوم (الجنسية) والحدود الجغرافية بين البلدان العربية ، وأنا لا أنادي ولا أطمح حتى لهدم هذه الحدود الإقليمية وتجاهلها ولكن لاعتبارها حدود تنوع فقط لا تعارض ، فلا مانع أن يلبس السعودي لباسه بطريقة مختلفة عن القطري وأن يتحدث بطريقة مختلفة وأن يصبغ شعاره بالطريقة التي تعجبه ، لكن ليس من المتوقع أن يخون أحدهما الآخر أو يقاتله أو يوالي عدوه عليه ، وما من شأنه فك الرابط الأساسي بين الاثنين اعتمادا على روابط وهمية ، حتى ولو كان ذلك برغبة النظام الحاكم أو السياسيين .
صور الولاءات كما يلي :
لو ناقش عضو سعودي مسألة قطرية ، داخلية كتهجير آلاف المواطنين القطريين قبل أعوام أو خارجية كقاعدة العديد الأمريكية وانتقد هذا بطريقة عادلة ، لقوبل من جهة القطريين بسيل من التقريع والزجر وعليه أن يهتم بشئونه الخاصة فهو في السعودية لديه كذا وكذا وعليه أن ينشغل بها ، وبالتأكيد حديثه عن قطر نابع من العداوة والحسد وربما قد يكون مدفوعا من جهات عليا ، أو حتى مستعمل من قبل المعارضة القطرية في الخارج .
ولو تحدث القطري في الشأن السعودي فعليه من الله ما يستحق ، عليه أولا أن يبرر أخطاء دولته ، وعليه قبل كتابة سطر واحد أن يذهب ليفجر قاعدة العديد ، أو يغتال الشيخ القرضاوي ، أو يلعن قناة الجزيرة ؟ ما كل هذا ؟
لماذا يطلب منا نحن الشعوب أن نبرر أخطاء الأنظمة ؟ إن كانت فعلا أخطاء ، أنا مواطن بحريني مغلوب على أمري وقائمة تظلماتي على نظامي الحاكم أطول من قوائم فواتير كيوتل وأنا حانق على الأنظمة العربية كلها فلماذا تؤطر حنقي هذا على بلد واحد ؟ وإذا حزنت على وضع أخي الكويتي وتحدثت فيه طولبت بالاعتذار أولا عن مواقف نظامي الحاكم ؟ . الشعوب العربية يجب أن تتخلص من هذا الرابط الوهمي وتلتفت للرابط الحقيقي ، فليس لون العلم كاف ليجتمع تحته الناس ضد إخوانهم من ذوي الألوان الأخرى .
هذه الروابط وغيرها هي ما يشكل الخلل في تخلفنا الإسلامي العربي ونزاعاتنا الصغيرة التي تكبر سريعا .
هذا الشك الدائم في نية الآخر ، والآخر هنا ليس بمخلوق له عيون مبعجة للأسفل وزوائد لحمية حول أنفه ، وليس الآخر هنا بالمختلف عنا عقيدة ولا شيئا من ذلك ، الآخر هنا هو أخونا في الدين واللغة والعقيدة والعادات أحيانا ، لكنه من خلال صدفة ما صبغ لون علم بلاده بلون مختلف فأصبح أجنبيا عني غريبا محل ريبة ، ببساطة أصبح آخر .
مواضيع ذات صلة