دوّنه: عبدالله السالم
التصنيف :
قضايا معاصرة 2,296 قراءة
تأثرت جدا بمشهد إعدام صدام ..
هالني هذا الثبات ورباطة الجأش والشجاعة حتى وهو يعلم أنه بعد لحظات سيقابل ربه !
أنا شخصيا لا أخشى الموت ، أخشى ما بعد الموت والحساب العسير .
وثبات الإنسان وهو ذاهب إلى الحياة الأخرى ينم عن إحدى حقيقتين :
أما أنه لا يؤمن بالبعث والدار الآخرة أو أنه يحسن الظن بالله ، وهذا ما يناسب حال صدام ، لأنه كان يردد الشهادتين قبيل موته .
أنا لا أحب صدام وهو حيّ لكني لم أبغضه ولم أر فيه ذاك القائد المسلم العادل كما يحلو للبعض وصفه ، لكني لم أر فيه أيضا أكثر مما أراه في أي حاكم عربي آخر ، يحب السلطة ويستأثر بمقدرات بلده .
وخطيئة صدام الأظهر هي غزو الكويت ، جاره المسالم ، أما حرب إيران فهي حرب ، وليس في الهوشات قوَد ، كما هو الحديث الشريف ، أما إبادة مواطنيه من سكان حلبجة وغيرها فهي لا تشكل عندي في أقصى الأمر إلا دعاوى يستطيع كل منتفع الاتجار بها .
بقي مسألة قسوة صدام في ردع الاختلال الأمني ، ومعاقبة الخارجين عن القانون والسلطة ، وهذا أمر طبيعي في القادة ، بل قد يحسب في صالحهم ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق بالشرذمة الذين سرقوا إبل الصدقة أقسى أنواع العقوبة ، وكان أحد الصحابة يروي أنه رآهم مصلوبين في الصحراء حتى ماتوا عطشا وأكلتهم الطير ، ونزلت فيهم آية الحرابة .
فهل يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بالحدة والقسوة ؟ بل هو المشهود له بكمال الخلق ، ولم يضرب أحدا إلا في القتال .
لكن على القائد أن يكون حازما حاسما لذرائع الفتنة والخلل في أمر الناس .
وصدام كان حازما في هذا ، خصوصا أن طبيعة العراق تحتم وجود العديد من المذاهب الدينية والعرقية والأثنية بين سكان العراق ، مما يسبب كثرة الأهواء والقناعات وتضاربها .
والحاكم شخص استثنائي ، حتى في حسابه مع الله ، فالشرع قد منحه ميزة لم يمنحها غيره ، فاجتهاده حتى ولو كان خطأ يحسب صوابا ، وأمره واجب الطاعة ، وشخصيته تستحق الاحترام والولاء ، لدرجة أنه لو بويع خليفتين وجب قتل آخرهما حفاظا على مكانة الحاكم وشرعية بيعته .
ومن النافل من القول أن هذا الكلام لا يمتد إلى أخطاء الحاكم الفردية ، فهو في هذا كبقية الناس ، لا يعلو على القانون والحق ، وإنما حديثي عن اجتهاداته العامة فيما يخص أمر من تحته ، كأحكام التعزير وضبط الأمن الداخلي ، وتقديرات الحروب والسياسة الخارجية ، وتوزيع الثروات والإقطاعات ،كما أن باب التوبة مفتوح لكل تائب ، بغض النظر عن سجله الإجرامي .
أما المثير للحنق في إعدام صدام أن جلاديه ليسوا بأحسن حالا منه على أفضل تقدير ، وظني أنهم لو كان مكانه لفعلوا أكثر مما فعل ، بدليل وجود بذرة الظلم والتعدي والبغي لديهم ، والمتمثلة في آليتهم في إعدام صدام ، التوقيت ، والتشفي ، والحقد حتى في لحظات صدام الأخيرة ، فأين مكارم الأخلاق ؟
إذا فهم أهل للظلم لو ملكوا الأمر مثل صدام .
وأكثر ما أثر فيّ في مشهد قتل صدام ، هذا الثبات الذي يندر وجوده ، فالشجعان لهم احترام خاص ، وقد كان الفوارس قديما يحسنون قتل أعداءهم حين يظفرون بهم ، بل إن كتب السير والتاريخ ملأى بعبارات يمدح بها الفوارس خصومهم قبيل قتلهم .
أما قتلة صدام فكانوا الصورة المغايرة تماما لشجاعته ، حيث أنها لم تتعالى أصواتهم إلا بعد سقوط صدام في نفق المشنقة وتأكدهم من موته .