الدنيا متاع و خير متاعها المرأة الصالحة ( حديث شريف )
المرأة هذا المخلوق الخلاق ، الملهم الموحي ، الصورة المثلى في خيال الأدباء والفنانين والشعراء ، تناولها الشعراء قديما وحديثا ، ولو أجرينا ممحاة على كل نص شعري أوجدته المرأة لشطبنا ثلثي ( أو أكثر ) تاريخنا وحاضرنا الشعري .
إلا أن الشعراء اختلفوا في تناول هذه المادة الشعرية ، أو بالأصح تطوروا في تناولها من خلال التطور في المدنية والتحضر والقيم الإنسانية التي ترسيها مبادئ التعليم وحقوق الإنسان ونظرة الإنسان لبقية ملامح الحياة بما فيها أفراد جنسه والمرأة خصوصا .
للشعراء الشعبين التقليديين مواقف مخجلة لتناول المرأة في نصوصهم ، حيث يتعاملون مع المرأة كمادة ترويج لنصوصهم ، أما عن طريق الإثارة الجسدية الرخيصة أو عن طريق الكوميديا السوقية السطحية .
ولتأكيد هذا القول ليس على القارئ إلا أن يتناول أقرب مرجع للشعر الغزلي ليرى الرجل وهو يتغنى بجسد الحبيبة ، عينيها وأنفها وشفتيها وطولها ووزنها وأردافها تحديدا في أسلوب يشبه أسلوب تاجر خردوات يصف سلعته الرخيصة بأوصاف استثنائية .
وهذا المنحى فرع من اتجاهات بعض الفلاسفة الذي مرت أقوالهم في أعلى الصفحة .
وليس هذا موضوعي الآن .
موضوعي على العكس تماما ، تناول بعض الشعراء الشعبيين المتطورين للمرأة في نصوصهم بطريقة تعكس وعي الرجل الشعبي المعاصر لأهمية المرأة ، المرأة التي كانت الوعاء الحميم له ليأتي إلى هذا الكون ، وبعد ذلك الحاضنة والمربية والحنونة ثم الأخت والزوجة والبنت .
والرجل العادي في شرقنا المسرحي يمثل دورين متناقضين عند التعامل مع المرأة ، دور الشريك الواثق المطمئن لشراكة المرأة والذي يلقي عليها أحيانا أهم وأصعب القرارات الأسرية ، ودور الحكيم المتعالي المتميز الذي يرى المرأة ناقصة إلى حد يتخذ منها مادة نوادره في المجالس ومادة تسويق نصوصه في الشعر .
أما هؤلاء الشعراء الواقعيون فتعاملوا في نصوصهم مع المرأة تعاملهم مع الأشياء المختلفة عنهم اختلاف تنوع وتكامل ، اختلافنا عن الأشياء التي تمتلك صفات لا نملكها لذا نهتم ونحيي ذكر هذه الصفات ، ومن ذلك قول الشاعر السعودي إبراهيم الوافي في نص مريم :
مريم .. وللشارع عبور ، وللمسا نكهَةْ حنين وانتظارْ … حارس صباحْ لمّالنهار بعمّته يعرق مطر .. يتعب سفر يذكر .. وما يذكر مواعيد القهرْ منكم شهَر كان المسا عتمة … وأطفاله صغارْ مريم .. تعااالي شمعة الشارع ..نهارْ ..!
إنه يشكو لمريم قضاياه الخاصة ، ويشركها في أسراره الصغيرة ، ثم يناديها لتأتي تضيء الشارع المظلم حتى في عز النهار ، إنها لم تعد لعبة الليل الأثيرة فقط ، بل هي شريكة الدرب في ظلمة الشارع والناس والحياة نهارا .
كما يصف الشاعر الكويتي بدر صفوق كريستينا ، وهي تلك المرأة التي وقفت معه في أعز احتياجه لوقفة أصدقائه كما يقول في المقدمة ، يقول صفوق :
كريستينا على خبري نهر / وزّ / وجداول غيّ تمطى ألف فجر بجفنها وارتاحتالوحشة
صفوق هنا يرى في امرأته ما لم يراه الشاعر التقليدي ، لم يحدثنا صفوق عن حجم نهديها ولون شفتيها وسحر عينيها ، بل إنه رأى في عينيها النور ، لا الغواية ، ووجد في جفنها الطمأنينة وطرد الوحشة لا العبث الجسدي ، كما أنه يجدها امتداد للأشياء الجميلة ، للطيور والأنهار والأطفال والإحساس الجيد .
والملاحظ أن كل من الشاعرين ألقى باسم امرأته ، أنثى القصيدة ، بلا تحرج كنا نجده في نصوص التقليدين ، أولئك الذين يدسون أسماء نسائهم في ألغاز وأحجيات على المتابع أن يفكر لليالي كي يعرفها ، وما هذا إلا لشعورهم بالخجل من ذكر اسم المرأة في القصيدة ، تماما كخجلهم من ذكر اسم الأم والأخت والزوجة في المجلس ، إنها جريمة لا تغتفر .