|
There are no translations available.
للشاعر نفس متعالية بعض الشيء ، فهو يحب أن يكون مستقلا ومتميزا عن البقية ، ويحب أن يُسعى إليه لشعره لا أن يسعى للناس . لذلك لا يتواصل أكثر الشعراء مع الإعلام كما يجب . وكبرياء الشاعر ناتج عن شعوره بالهبة التي منحه الله إياها دون البقية ، وهذا ليس خاصا بالشاعر فقط ، بل كل الموهوبين يشعرون بهذا التميز وينتظرون من الآخرين أن يميزوهم بما لديهم ، وأن يتلقوا هذه الهبة النادرة بشيء من الاحتفاء والاحتفال . ومن هذا أعرف العديد من الشعراء يجدون صعوبة في التواصل مع محرري الصفحات والمجلات الشعرية لنفس السبب ، وهو أنه من المفترض أن تسعى إليه المطبوعة وهي ممنونة أيضا ، لتنشر قصائده بطريقة تميزه عن البقية . وقد اكتشف بعض الإعلاميين الناجحين هذه النقطة لدى الشعراء وفهموها باكرا ، لذا نجحوا في تميز منابرهم الإعلامية التي يعملون عليها ، وفلسفة هذه المسألة بسيطة ، إذا قلنا أن الشاعر يشعر باستعلاء فطري ، لذا فإنه يظل في برجه ينتظر المعجبين يتمسحون ويتبركون بأنواره ، فإن الإعلامي عكس هذا تماما ، الإعلامي مقتنص للمعلومة ، يبحث عنها ويذهب إليها ويصطادها في أعمق الأعماق ، وهنا تلتقي الطبيعتان . والملاحظ أن الكثير من الشعراء لم يشاركوا في برنامج شاعر المليون ، خوفا منهم من أن يجمعوا مع البقية في سلة واحدة مما يذيب شعورهم بالتميز والاختلاف حتى الواهم منهم ، أو خوفا من أن تساء قراءتهم من قبل الجمهور والحكام ، لذا يفضلون البقاء في عزلتهم على المشاركة . وكبرياء الشاعر أمر ملموس منذ القدم ، فالمتنبي الذي يعتبر شيخ الشعراء كان مصابا بالكبرياء إلى درجة المرض ، ومن ذلك أشعاره الطافحة بالعجب بالنفس وتضخم الذات ، حتى وصل به الأمر مرة أن يمدح أمه بكونه ولدها ، فقال : فلو لم تكوني بنت أكرم والدٍ لكان أباك الضخم كونكِ لي أما وغير هذا من النرجسية الزائدة المبثوثة في قصائد شيخ الشعراء . وقد يضاف لمسألة كبرياء الشاعر مسائل أخرى يتصف بها الشعراء مما يقوي لديه الإصرار على البقاء في الظل قدر المستطاع . ومن تلك المسائل صفة القلق والارتياب المحتقنتين لدى الشاعر ، فهو دائم القلق والريبة من أشياء كثيرة ، ومنها مسألة الظهور والتعاطي مع الإعلام ، إلا أن يصادف وجود إعلامي ماهر في التعامل مع الشعراء ، يغوي هذا الشاعر بطرقه الخاصة للظهور . ومن قلق الشعراء قول أبي الطيب : على قلق كأن الريح تحتي تسيرني يمينا أو شمالا كما يتصف الشاعر أيضا بالخجل ، ولا أدري لماذا ، بالرغم من كونه ينشئ الكلام بطريقة لا يستطيعها البقية إلا أنه يشعر بالتلعثم في داخله ، وكان أحمد شوقي أكثر الأحيان يصاب بالانغلاق عندما يريد أن يلقي قصيدته على الجموع المستمعة ، فيوكل من يلقيها عنه . ورغم هذا فإن هناك نماذج من الشعراء تشذ بسلاطتها وقدرتها على تجاوز عقدة الخجل الدفينة . والكبرياء لدى الشاعر قد تأخذ أشكالا سيئة ، خصوصا لدى الشعراء أنصاف المتعلمين ، ومن ذلك نقرأ كثيرا في حوارات الشعراء إلغائهم للشعراء الآخرين كأن يسأل الشاعر عن شاعر آخر فيجيب : لا أعرف هذا الاسم ! أو التهجم على الآخرين بالشعر أو الكلام ، أو التعامل مع الناس بتكبر واستعلاء . والوعي والتعليم والاطلاع يجعل الشاعر يدرك بدايةً أنه مصاب طبيعيا ببذرة الكبرياء ومن ثم يمكنه من تهذيبها وتشذيبها ، فيعتدل في منطقة وسط بين فوق الاعتداد العادي بالنفس ودون التكبر .
|