|
There are no translations available.
نحن في قطر بدو وحضر ، هذا من حيث الأصول فقط ، وإلا فلم يعد البدوي اليوم يشد الرحال خلف الإبل والغنم ويسكن في الصحراء ، ولم يعد الحضري يموت من العطش والخوف إذا فارق العمران والإنارة والطرق المأهولة . هذه كلها ولت مع التقدم الصناعي المعاصر ، وستجد البدوي والحضري اليوم يعيشان في بيتين متجاورين ، متقاربين في التصميم ومزودين بنفس الخدمات الحديثة من كهرباء وماء وهاتف ، ويأكلان الطعام نفسه ، ولهما نفس اللباس ، ويركبان نفس السيارة وأولادهم في مدرسة واحدة ، إذن ما الفرق ؟ فقط يتحدثان بلكنة مختلفة ، ويفضل أحدهما السمك على اللحم أو العكس ، وقد يشجع أحدهما نادي الريان والآخر نادي السد! . بالله هل هذه الفروق جوهرية ؟ ومع ذلك ، فإننا نعيش عنصرية مقيتة ، بين البدو والحضر ، وإن أخفيناها خلف العبارات المدنية، والشعارات المسكنة . هذه العنصرية لو توقفت عند التفضيلات الفردية ، كأن يفضل البدوي متابعة سباق الخيل والهجن فيما يفضل الحضري سباق الدراجات والزوارق ، لكان الأمر أهون ، ولن يتعدى كونه محض اختلاف تنوع . لو بقي الأمر عند الخلاف حول نوعية إكرام الضيف هل هو بذبح خروف أم بدعوة الضيف على بوفيه مفتوح في مطعم ، أو حول قضاء إجازة الربيع ، هل الأفضل السفر لجنوب أفريقيا أم التخييم شمال النعيرية ؟ لو توقف الأمر هنا ما كنت سأتوقف عنده طويلا . لكن الأمر أكبر من ذلك ، لقد تغلغلت فينا العنصرية حتى أفسدت روحنا الوطنية ، وعطلت مصالحنا العامة ، وعبثت بقضايانا الاجتماعية المصيرية . هذه العنصرية تسببت طويلا في تخلفنا الحضاري ، وما زالت تعرقل مسيرتنا نحو التقدم والتطور الاجتماعي والسياسي الداخلي والاقتصادي وغير ذلك . تجد في الدائرة الواحدة - وزارة ، هيئة ، مؤسسة - تكتلات مبنية على هذا الفرق ، " بدوي ولاّ حضري " ، هذه التكتلات تتسبب في ظلم الموظف بتجميده أو تهميشه أو تنحيِته ، وذلك حين يكون الموظف من الأصل البدوي فيما رئيسه أو مديره أو زملاؤه من الحضر ، أوالعكس . يظل هذا المختلف عنا محارَبا مقصيا منبوذا ، ونطبق عليه مقولة جان بول سارتر : الآخرون هم الجحيم . فيما هو ابن جلدتنا وبلدنا وديننا ويشترك معنا في الهم الوطني نفسه . نسمع كثيرا وبتكرار مرير أن رئيس القسم الفلاني في الوزارة الفلانية نقل من قسمه الحيوي إلى قسم ثانوي ، يشل حركته وترقـّيه الاجتماعي والوظيفي . نسمع أن المدير الفلاني والضابط الفلاني أحيل للتقاعد المبكر بلا أسباب واضحة . نسمع أن المسئول الفلاني استبعد فلان من الناس عند طلب الوظيفة وقدم شخصا آخر أقل كفاءة وأهلية . كل ذلك فقط لأن الرئيس والمرؤوس من فصيلتين مختلفتين ، البدو والحضر . وحتى الأدب والشعر لم يسلم من هذه العنصرية ، سواء في إبراز المبدعين وإظهارهم بما يليق بهم أو حتى في المادة الأدبية المطروحة التي تثير النعرات وتعزف كثيرا على مسألة البدو والحضر . غير ذلك من إطلاق النكات والسخرية اللاذعة بين الفصيلين ، والتي تتعدى مسألة المزاح البريء ، كأن يتخذ مجموعة من الزملاء أحد زملائهم مدعاة للسخرية والتجريح ، لدرجة أن يفقد الطمأنينة في مقر العمل ، والحماس والانتماء لعمله . ولن تجد إلا الجهلاء والمجوفين يهتمون بمثل هذه النعرات والفروقات ، ويتداولون الولاءات والتحالفات على ضوءها . أما أصحاب الوعي والعلم والعقل فيتعاملون مع الإنسان من حيث كونه إنسان أولا ، ولما يقدم وينتج ثانيا ، بغض النظر عن أصله ولونه وتفضيلاته الشخصية ، وهذه إحدى القيم الإنسانية السامية التي علمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى " . وأنا لا أطالب الناس أن يكونوا كأبناء أب واحد وعلى مشرب واحد ، فالعربي لا يفضل العجمي حين يكون الموضوع عن الأدب العربي واللغة العربية مثلا ، والبدوي لن يختار الحضري حين يكون الموضوع رحلة قنص في الصحراء ، ولكن حين يكون الموضوع خدمة مصالح المجتمع الواحد في قطر واحد ، فلماذا هذه التحزبات المبنية على أوصاف لا شأن لها بالهدف ؟ هل الحضري متهم في جديته لتحقيق مطالب المواطنين عموما واحتياجاتهم ، وأهله وأسرته وعشيرته يسكنون هذا الوطن ؟ أم البدوي متهم في إخلاصه لحماية الوطن من الأعداء ، وأهله وأسرته وعشيرته يسكنون هذا الوطن ؟ أنهم من حيث المبدأ سواء ، وكلهم في الأصل أكفاء مخولون لتقلد المهام والوظائف التي تخدم الوطن والمواطنين . لذا أدعو أولئك المصابين بداء العنصرية والعصبية المقيتة إلى تطهير عقولهم من هذه المخلفات الجاهلية ، والنظر إلى الآخر المختلف عنا بحسن ظن وسلامة طوية ، ومنحه الفرصة لإثبات جدارته فيما أوكل إليه ، ثم معاملته بالعدل والحق ، وبعد ذلك ليس من الواجب الأكل معه من صحن واحد .
|