|
النقد -
رؤى نقدية
|
|
الكاتب عبدالله السالم
|
|
الجمعة, 13 مارس 2009 02:16 |
|
ألاحظ هذه الأيام وفرة تصل لحد الغثاء في استعمال هذا العلم ( النافل ) عن الشعر ، علم العروض ولو أني أمير المؤمنين في عصر الخليل بن أحمد لحبسته وأحرقت كتبه فهو قد فتح بابا مزيفا لطفيلييْ الشعر . ولقد مات ميتة شنيعة - رحمه الله - حيث اصطدم رأسه بعامود حديد وهو ساهٍ يردد بعض العروض ، وأرجو أن يكون ذلك ( تخافيف ذنوب ) . الشعر : موهبة ؛ لا مراء في ذلك . والموهبة حظوة إلهية تعطى البعض دون الآخر ، مثل الحاسة السادسة والفراسة والرؤيا وكل مامن شأنه التفرد والخصوصية . إنه لا يشبه قيادة السيارات ولعب الكرة و " حرفنة البلوت " ، هذه الأشياء تتأتى بالاكتساب ، فالشخص يتعلم السواقة من العدم ، يبدأ بدربكة شهيرة على الدواسات وشيئا فشيئا يتقن السلاسة في تحريك رجليه وقد يصبح بعد ذلك سائقا مميزا يحصد الجوائز في السباقات العالمية . أما الشعر وأقصد هنا نواة الشعر الأولى والتي تكتفي بإتقان الموسيقى في الكتابة فقط ، لا ، لسنا بصدد تعريف الشعر الجميل ولا الشعر المختلف ، فقط الشعر الأساس : ضبط الوزن ، فهذا أمر لا يدخله الاكتساب أبدا ، وقد يتقنه العروضي المتمرس أو حتى البدوي على ظهر بعيره . والتاريخ يؤكد ذلك ، فكل المعلقات الشهيرة ولدت قبل مجيء الخليل بن أحمد إلى العالم ، وكذا كل الشعر الجاهلي الموغل جدا في مسألة الوزن . وقد أثار حنقي تصريح أحد الشعراء الشعبيين في لقاء تلفزيوني أن الشعر ليس بمعجزة ، وعندما خالفه المذيع بأن الشعر موهبة ، قال لا ، الشاعر أساسا قاريء متذوق لكنه مع المحاولة والتجريب وحفظ أسماء البحور الشعرية يتحول إلى شاعر ! ، أية جناية بحق الشعر هذه ؟ لذا عندما أرى أحد المشاركين هنا لا يزال يخطيء في الإملاء واللغة لكنه يغرق في التقطيع العروضي لقصيدة ما ، أشعر بريبة حادة تجاهه ماذا سيضيف لنا التقطيع العروضي ونحن هنا بعيدا عن دراسته أكاديميا ضمن منهج متكامل من باب الترف الأكاديمي المعروف ؟ إن الشاعر الحقيقي لا يحتاج إلى دعم قانوني لشرعية قصيدته عروضيا ، ولا يفعل ذلك إلا من به مس من شك . اخترِع التقطيع العروضي في الأصل كمحاولة إغراقية في بحث الشعر كجنس أدبي ، مثله مثل أي إغراق في تفاريع مسألة ما / بحث العلاقة بين المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني في الرواية / فلسفة الحب عند فرويد / تفسير ظاهرة كسوف الشمس / أية نظريات أخرى تحاول تفسير الظواهر الكونية أو الفكرية ، لكنه أي : التقطيع العروضي لا يضيف شيئا أبدا ، فالشاعر لا يحتاج إليه ومن ليس بشاعر لا يستفيد منه ليصبح شاعرا ، ودار في خلدي في ساعة لؤم أن البعض قد يلجأ إلى دراسة العروض لشهرين عند أحد الموريتانيين وهو يضمر استخدام ذلك فقط للاستعراض هنا وإبهار الجمهور ، وكورقة قانونية عند الخلافات . ومثل ذلك الاهتمام الزائد هذه الأيام بأسماء البحور الشعرية وحفظها ! أيضا لا يحتاج الشاعر كي يكتب قصيدة جميلة يتناسب بحرها مع موضوعها إلى كل هذه العلوم ، فالشاعر ينطلق أساسا من وجدانه ، والوجدان هو الذي يحتم عليه بناء قصيدته على هذا البحر أو ذاك ، مثله مثل اللحن الموسيقي للأغنية ، فالأغنية التي يكرر مغنيها عبارة : (أنا بكره اسرائيل ) تحتم إيقاعا سريعا وشوارعيا على خلاف الأغنية التي تبدأ بـ : ( أنا وإنتا ظلمنا الحب) كذا القصيدة ، فالشاعر يجد إلحاحا داخليا لاختيار بحرا معينا عندما يكتب بحزن يختلف عن الإلحاح الذي يجده عندما يكتب بفخر أو سخرية أو روح سياسية . ولو أمعنا النظر جيدا لو وجدنا أن هذا الاحتياج الداخلي لركوب موجة عروضية معينة يمتد إلى أكثر من ذلك ، فالمفردات تتغير من موضوع لآخر، وكذا الصور ، وحتى الأحرف ورنينها الصوتي ، ويتم معظم ذلك في لا وعي الشاعر ، لكن المحترفين فقط هم من يعيدون الصياغة والحذف والإضافة في هذه العناصر الداخلية لمكونات القصيدة . خلاصة الموضوع : رفقا بنا ، ولتبقوا هذه المعارف الكمالية في موضعها الطبيعي ( الترف العلمي ) ولا تجروها إلى جدليات التكوين والعدم ، فالإسهاب فيها واستعمالها في أبعد مما خصصت له مضر بالصحة الأدبية . دمتم بخير .. 3/6/2004 طبربور
|