|
إن تقطعت بك السبل ولم يكن هناك ما تتقنه في الحياة فجرب أن تكون سياسيا أو شاعرا . يقول عبدالله القصيمي : العرب ظاهرة صوتية ، وبعيدا عن مناقشة فكر القصيمي ( أقول هذا قطعا للطريق على العرب الصوتيين الملاقيف ) فإن هذه المقولة صائبة إلى حد بعيد ، فالعرب منذ القدم مشهورون بالكلام ، والمحفوظ في الثقافة العربية هو أن الشعر ديوان العرب ، مع ما يصاحب الشعر من نقاش ونقد ولغط وثرثرة أدبية . ما علاقة هذا بموضوعنا ؟ إنه فن الكلام ، أو بالأصح فن كثرة الكلام ، إن كان من الفن في شيء . الشعراء والسياسيون من أكثر المخلوقات هذرة ، وبما أني أريد قصر الكلام على السياسة في شرقنا المهذار فأقول: أظننا من أكثر الشعوب حديثا عن السياسة بالتوازي مع كوننا من أقل الشعوب ممارسة لها ، ويبدو أن كثرة كلامنا فيها نوع من التنفيس و ” فش الخلء ” . والسياسة عرفت قديما بأنها علم الدولة أو علم السلطة وهو أبلغ ، ووردت كلمة السياسة كثيرا في المؤلفات الإسلامية تحت مسمى : السياسة الشرعية وهناك من تلك الكتب : السياسة الشرعية لابن تيمية والطرق الحكمية لابن القيم والأحكام السلطانية للماوردي والأحكام السلطانية لأبي يعلى وغيرها . وكل هذه الكتب تبين الأساليب الشرعية لإدارة الحكم بين الحاكم والمحكومين وهي مسألة الخلافة والولاية أو بين المحكومين فيما بينهم وهي مسألة القضاء ، أما غير ذلك فلا يوجد فئات من الناس يشتغلون بالثرثرة الزائدة في كل منبر ، وهم ما نسميهم اليوم بالسياسيين . فلان سياسي ! أو زد قليلا وقل : فلان سياسي محنك ، ماذا يعني ؟ في البلدان التي تمارس بعض الحرية السياسية مثل أوروبا قد يكون لهذا الوصف معنى ، وحينها يكون معنى فلان سياسي محنك ، أي : دجال مراوغ لا يصدق في وعد ولا يحفظ أي عهد ولا يرقب في أحد إلا ولا ذمة ، والولاء والخيانة ونقض العهود والتلون والتقلب ألعابه الصغيرة التي يلعبها كي يصل لأهدافه القريبة والبعيدة . إن السياسي في تلك البلدان لابد وأن يمارس عملا حقيقيا تصح نسبته للسياسة أو بعض أشكالها ، فهو قد يكون منتميا لحزب سياسي موافق أو معارض للحزب الحاكم ، أو قد يكون عضوا في منظمة سياسية تعد الدراسات الاستراتيجية ولها علاقة مباشرة بأصحاب القرار ، أو كاتبا في صحيفة أو أستاذا في جامعة وهو بالتالي لديه من التأثير ما يجبر الأنظمة إلى تغيير سياساتها الداخلية أو الخارجية . لكن تعال إلى أصحابنا ذوي الحناجر والأقلام المملوءة بالصراخ والعويل والخوف والمداهنة ما الذي يقدمونه لنا؟ تصفحت مدونة أحد الصحافيين المشهورين فوجدتها سبورة متسخة بالمقالات السياسية التي لا أدري ما الجديد المفيد التي تقدمه للقاريء . عناوين مثل : العالم الإسلامي يتفكك ، الأزمة بين السعودية والنظام السوري ..إلخ . حسنا ، العالم الإسلامي يتفكك ، وماذا لديك ؟ مفك يربط براغي العالم الإسلامي ؟ ثم للتو علمت أنه يتفكك ؟ . ومثل هذا العديد من العناوين السياسية التي نقرؤها في الصحف والمجلات . هؤلاء الكتاب السياسيون ليسوا في الحقيقة جزءا من المنظومة السياسية ، لا في الداخل ولا في الخارج ، وربما تجد أحدهم في الواقع مدرس رياضيات للمرحلة الابتدائية ، والآخر فني اتصالات ، والثالث صحفي ، مطلقا أنا لا أعلق المهارات على التخصص الحياتي ، لكن هذا أنا قلتها : مهارات ، أو هوايات ، والسياسة لدينا اليوم هواية من لا هواية له ، قلّب جهاز التحكم بين القنوات التلفزيونية لثلاثة أيام تباعا وستجد لديك ما تود أن تقوله ، لكن قله لأصدقائك وأسرتك ومعارفك ، لا تجعل من هذا قضية دولية ، حسنا أنا لا ألومك كثيرا ، اللوم على المنبر الذي يتيح لك كل هذا التمدد الثرثار على هيئة تخصص علمي . أصبح كل من يملك قلما معبأ بالحبر أو كيبوردا موصولا بالكمبيوتر يستطيع التنظير السياسي ، لا ، ليته يستطيع التنظير السياسي حقا ، عندها قد نستفيد من بعض النظريات الجديدة ، المصيبة أنه لا ينظر ولا بطيخ ، فقط يصف ويستعرض المواقف السياسية بشيء من السطحية البلهاء ، يكرر هذا كثيرا فيصبح مفكرا سياسيا ! ورغم ذلك .. هناك من يستحق المتابعة ، ليس لأنه مفكر سياسي ، بل لأنه مفكر حقا ، ثم لتأتي السياسة لاحقا . فش يفش فشا فهو فشفاش أي : سياسي عربي .
|