|
الكاتب عبدالله السالم
|
|
الأربعاء, 11 مارس 2009 17:46 |
|
منذ سنوات قليلة ونحن نمر بقفزات طويلة مرهقة في الثقافة وطريقة الحياة والتعامل مع الأشياء والناس ، ربما في ثلاث سنوات أو أربع يتغير أسلوب الحياة برمته لدى شخص أو أسرة ، ربما تتبدل القناعات والقواعد الراسخة ، الانتماء الفكري ، تناول الآخر ، أشياء لا يفترض بها التغير إلا بمرور عشرات السنين . الثورة التقنية ، الفضائيات ، الإنترنت ، الحروب التي تخصنا.. إلخ هذه العناصر هي أدوات التغيير الجذري في حياتنا الإنترنت مثالا .. هذا الإنفجار الثقافي الهائل أحدث إعادة ترميم فكري ونفسي للكثير منا ، رغم مكابرتنا واعتبارنا لهذا الاكتشاف العظيم أنه مجرد قناة أخرى من قنوات التواصل مع البشر إنه أكثر من ذلك بكثير إننا نقضي الكثير من الوقت بطقوس ومعطيات معينة ( شاشة حرة ، كيبورد مغري ، مواقع مفتوحة ، آخر بكل ما يحمله من مفاهيم ، كاسة شاي ، سيجارة ربما ، ومزاجيات مختلفة . هذا الاعتكاف السلوكي أحدث لدينا مفاهيم وأساليب ورؤى جديدة . والذي عاصر بدايات دخول الانترنت في بلداننا العربية سيرى الفرق الكبير بين آليات الحوار حينها وبين حوار اليوم . هذا البرعم الناتيء عن جسدنا الثقافي والمتصل به ظاهرة تستحق الدراسة ، إنه يفوق مسألة المنتج الجديد ، ويحمل معه سمات لازمة ، من سحر واستلاب وسطوة . كنا ذات مرة في رحلة مسائية فوق أحد الطعوس البعيدة وتأخر أحد المجموعة في المدينة ، لما كلموه الشباب اعتذر عن تأخره بأن الماستر = المشرف في غرفة الحوار ( البالتوك ) خرج لقضاء شغلة طارئة وأولاه قيادة الغرفة حتى يرجع .. لما وصل صديقنا متأخرا للطعس الموعود ، أطفأ سيارته ونزل وكان البقية صامتين في انتظار ما سيقول : تصوروا ماذا قال ؟ ( مسيكم بالخير من أول نك لآخر نك ) نك = nick هذا هو الهدم وإعادة البناء داخل الثقافة ومضى أكثر الليل والحديث عن المواقف النتية والأسماء المستعارة والمنتديات وووو إلخ ولسطوة هذه المفاهيم الجديدة تشكلت هناك قوانين ضمنية واصطلاحات وأنظمة في التعامل والحوار والتعارف انطلت حتى على المثقفين والواعين أو المفترض بهم الوعي في مثل هذه الظواهر الجديدة ، مثلا : قد تكون في غرفة محادثة عامة وتتناقشون في موضوع ما ، إنك تحتاج إلى مقدمات منطقية كي تدلف إلى ( برايفت / خاص ) إحدى الزميلات والتي تناقشك في العام وبكل أريحية منذ ساعات ، الرسالة الخاصة تستثير المخزون اللاوعيي لديها أنك تريد الاختلاء بها في إحدى الزوايا المنفصلة ، فيما التواصل برمته يحدث في زاوية منفصلة منذ البدء . وكذا المسنجر ، السيدة المحترمة لا تطلب المسنجر للتواصل ، إنه يشكل الحلقة الأخيرة من التعارف الارستقراطي المتوهم ، فهو بمثابة رقم الهاتف أو شيء حميم مثل هذا في إحدى المرات تأملت أسماء الموجودين معي في نفس اللحظة في إحدى المنتديات ، كانت سيدة ألتقيها فيما تكتب هنا وهناك ، وكانت الساعة تشير إلى الدقائق المرة من توقيت السهر المقرف ، إنها سيدة ما ، شيء عابر ولا أحمل لها أية مشاعر خاصة ، فقط رصيف الليل جمعنا بشكل عشوائي وضعت مؤشر الفأرة على اسمها وأرسلت لها رسالة خاصة تتكون من : مقطع من نص ليلي للنواب ولوحة معبرة ومقطوعة موسيقية لهايتش أتتصورون كيف شكرتني ؟ أو على الأقل جاملتني ؟ صرخت في وجهيي أن أجتنب ( بنات الناس ) وأن أضع أختي أو أمي أو إلخ نفس الإسطوانة المرعبة .. مكانها ولم تنس في النهاية التعريج على نقد ثقافتنا العربية الذكورية وعقدة الرجل الشرقي القديمة ونصفه الأسفل وسقوط بغداد وتفاقم معضلة الأوزون . لم ألمها طويلا ، كانت تنطلق هي الأخرى من دعامات قديمة كل مافي الأمر أنها أخرجت علينا بلغة الاتش تي ام ال . مثل هذه المفاهيم الجديدة يجب أن تدرس أظننا الآن نعيش الحدث وما زلنا داخله ، لكنا لو خرجنا عن إطاره قليلا سننظر إليه بعين واعية . سننظر كذلك بعد سنين ، هكذا هي سنة الظواهر .
|
|
آخر تحديث: الثلاثاء, 29 ديسمبر 2009 12:36 |