|
انتشرت هذه الأيام ظاهرة مليغة ، ظاهرة اهتمام الشعراء الشعبيين بصورهم الفوتوغرافية أكثر من الاهتمام بالشعر نفسه ، فتجد الشاعر يرسل للمطبوعة ألبوم صور يحتوي على صورته وهو أمام البحر وهو يقطف وردة وهو غائب بنظرة أخاذة للبعيد ، وهكذا ، ولا ينشر صورته وهو " يساقط " في الشارع على سائق الباص ، أو يغلق النافذة في وجه بائع الجرائد بدون نقود ، أو هو متربع بسروال وفانيلة في الصالة ويمغط المكبوس بدون أن يلوي على شيء . حتى الصورة ساهمت في تزوير الشاعر ، وعندما قالوا أن صورة واحدة تغني عن ألف كلمة كانوا يقصدون تلك الصورة التي تعكس الواقع كما هو ، صورة ساحة الحرب ، بؤس الشارع ، رائحة المدينة المكتظة ، إلخ . الصورة الآن أصبحت تغشنا ، تسوّق الشاعر بطريقة رخيصة لا تمت إلى الأدب بصلة ، وأصبح الشعراء يتنافسون على استوديوهات التصوير التي تظهر وجوههم أكثر صفاء وعيونهم أكثر سحرا ، ومن هنا أعزي الشاعرات في مصيبتهم . قيل أن أحد الشعراء الثقال اشترط على المطبوعة أن تظهر له بجانب قصيدته صورة فلاش متحركة تخرج من وسط الصفحة وهو يمتطي حصانه ويحمل طيره ، وقيل أن المطبوعة اضطرت لتوزيع جهاز كمبيوتر محمول مع كل نسخة من العدد لتفي بوعدها للشاعر . أما أنا فطالما رفضت وأمعنت في الرفض كلما طلبوا صورتي في الصفحات الشعبية ، لأني أخشى على بنات الناس من الفتنة ، بالله ما ذنبهم ؟ لا شك أن الصورة ابتكار من ابتكارات هذا العصر المتطور ، وأداة تقريبية لقراءة ما خفي من ملامح الأشخاص ، الكتاب ، الشعراء ، لكن الإغراق في بث هذه الصور كما نراه اليوم من شعراء المجلات الشعبية أمر يثير الريبة ، وفي الإنترنت ، في منتديات الشعر الأمر أكثر ريبة ، تجد الكاتب يضع بجانب اسمه صورة له وهو في أقصى هندامه الذكوري ، وفي الأسفل حيث التوقيع يضع صورته وهو في أقصى هندامه الـ ... إلخ وربما ستفاجئك صورته في منتصف القصيدة وهو في الصحراء يسامر النجوم أو يداعب الطيور ، ومن هنا نجد أن الشاعر لا يثق كثيرا بما يقدمه من طرح قدر ما يثق بما يقدمه من شكل ، وعلى الشعر السلام . قراءتي أن عصرنا المتسارع لا وقت لديه في التعمق في المضمون ، لذا تجد طغيان المادية في كل شيء ، ومنها الفن والأدب خصوصا ، وإلا ما السر في انتشار طربيات الفيديو كليب؟ لم يعد المتلقي يجد الاستعداد في تتبع المعاني البعيدة في الفن المعروض ، يريد شيئا سريعا يفهمه بحسه المادي القريب وهو " متفلطح " على الكنب ويقرمش في كيس شيبس . لذا يعجب بالكليبات الحارة والجديدة ، ويعجب بالشاعر صاحب الأداء المختلف والذي يحرك يديه كثيرا أو يموسق صوته بطريقة غريبة حتى لو كان يقرأ على مسامعه قصاصة من تقرير الشرطة . على الشعر السلام .
|