الرئيسية المقال الشعراء الشعبيين والأمية الفكرية
الشعراء الشعبيين والأمية الفكرية PDF طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 
الكاتب عبدالله السالم   
الثلاثاء, 10 مارس 2009 16:59

 

 

" .. هؤلاء الذين تخلصوا من الأمية العادية ، لا بد من تشجيعهم
 على التخلص من الأمية الفكرية ، وذلك باختيار سبل عديدة من
 أهمها الآن وضع الكتاب الجيد بين أيديهم ليعرفوا كيف
 يقرؤون وكيف يفيدون من القراءة " .

د. أحمد سليمان الأحمد  - البعث – 1974

الشعر هو أبلغ الوسائل للوصول إلى الجمهور  وذلك بعد المسلسلات التلفزيونية في رأيي .
والشعر الشعبي على وجه الخصوص له في ذلك الباع الأطول في منطقتنا الخليجية .
فهناك شعر في التلفزيون وفي الصحف وفي المجلات وفي المهرجانات وفي الأمسيات وفي الإنترنت وربما في القريب سنرى الشعر يغزو الإعلانات التجارية للأجبان والمكيفات وملابس الأطفال .
إنه حاضر بقوة في أكثر مجالات الحياة ، لذا لابد أن يكون له من التأثير ما يتوازى مع قوة حضوره .
هذه مقدمة ستقودنا إلى هذا التساؤل المخيف :
ما الذي إذن يصدّره لنا الشعر وهو بهذا الحضور والتأثير ؟
لنتصور أن الذين يقدمون لنا الشعر ينتسبون خفية لإحدى المنظمات السياسية أو الأخلاقية أو العقدية المغايرة ، ألن يستطيعوا تمرير قناعاتهم من خلال هذا الضخ المتواصل للشعر ؟
أراهن أنهم حتى لو كانوا ينتمون لمنظومات فضائية ليست من كوكب الأرض إطلاقا لا استطاعوا وبسهولة اختراق مجتمعنا الطيب جدا والاستهلاكي حتى في أفكاره  .
إلا أني أطمئنكم أننا لسنا في خطر أبدا ، ليس لأننا محصنون جيدا ضد الأشياء المستوردة وإنما لأن السواد الأعظم من الشعراء الشعبيين والقائمين على الشعر الشعبي أناس مسالمون جدا ولا يحملون أية أفكار غريبة ولا مخططات سرية ، بل إنهم لا يحملون أية أفكار أبدا .
إنهم مبتلون بالملكة الشعرية الأولية وبالإحساس الشاعري الدافئ فقط ، ثم وجدوا أمامهم مؤسسات حكومية وجماهيرية واسعة الانتشار تقدم لهم إغراءات لا تقاوم .
تعال وأنت تحمل فقط ورقة ، مصفوف فيها عدة أسطر متساوية الأطراف ومنتهية بقافية واحدة ولك في المقابل سنة كاملة من الترويج الجماهيري الواسع ، المدرسة الشعرية ، النجم ، فلتة القرن الواحد والعشرين ، قمة الهرم ، مفاجأة الموسم ، الخ .
هؤلاء مواد تسويقية للمنتجين على اختلاف مذاهبهم ، إنهم يستعملونهم كورق الإعلان الملصق على لافتات تجارية منصوبة على مجامع الطرق ، دعاية لمنتج موسمي يلائم فترة الصيف مثلا .
لذا نرى العديد من شكاوي الشعراء المحالين للتقاعد باكرا من خذلان الأصدقاء لهم وإزاحتهم وتغييبهم
إنهم لم يفهموا اللعبة منذ البداية ، لذا صعدوا المسرح سريعا وسقطوا سريعا .
وحده المسلح بالفكر لا يستطيع أحد التلاعب به حسب متطلبات السوق ، يعرض لفترة قصيرة في شاشة النيون ثم يسقط ليحل محله إعلان آخر ، لا ، إنه ينتصب كمعلم حقيقي ، لا يختفي ولا يتزحزح .
مشكلة شعرائنا الشعبيين الآن مشكلة فكر ، عندما نقلب العديد من الصحف والمجلات أو نشاهد لقاء تلفزيونيا أو حتى نتجول في ردهات المنتديات الكثيرة في الإنترنت نجد أن المشكلة هي هي قائمة في كل مكان ، الفكر ، أو بالأصح رداءة الفكر .
والفكر ليس شيئا دوغمائيا لا تعرف الطريقة لتحصيله ، إنه نتاج القراءة والتعلم ، أما الذي لا يقرأ أو لا يحسن القراءة فلن يحسن الكتابة بالتأكيد ، فالملكة الشعرية وحدها لا تكفي .
والقراءة هنا ليس المقصود بها المفهوم القريب ، فالكثير من شعرائنا ذوي شهادات جامعية أو ثانوية على أسوأ تقدير ، وإنما المقصود بالقراءة التزود الفكري من تجارب الآخرين بشكل مستمر ، تجاربهم في الأدب وفي الفن وفي السياسة وفي الاجتماع وفي علم النفس وفي كل ما من شأنه إنارة الفكر وتمرينه .
من هنا يستطيع الشاعر أن يستخدم موهبته في طرح أفكاره الخلاقة ويتفاعل مع الجمهور مباشرة بدون وسطاء تجاريين .
إننا لا نحتاج للمزيد من البحث كي نبرهن على هذه الأمية الفكرية المنتشرة بين نجومنا المدعين ، لك أن تتناول أقرب مجلة لديك وتقرأ أول لقاء تقع عليه عينك لتجد نموذج الخواء الفكري في أبشع صوره ، لقاء قد بسط في صفحتين على الأقل بأفخر أنواع الإخراج ، وربما قد أعلن عن هذا اللقاء في عددين سابقين أو ثلاثة بعبارة : ترقبوا المفاجأة التي لا تتكرر ، اللقاء الخالد مع أعجوبة العصر .. إلخ
لتكتشف أنك لم تخرج من هذا اللقاء إلا بمعلومات لا تعنيك أبدا ،  عن أكلة الضيف المفضلة وعن عاداته الخاصة في يوم الخميس وعن إشاعات حوله مفادها أنه لا يحبذ المعكرونة بالطماطم ؟
لتصطدم أخيرا بالكلمة التي يختم بها اللقاء الكوني الخالد !
فقر .. فقر .. فقر ، والمزيد من الفقر فقط .
والمصيبة أن هذا الفقر معدي ، فالقارئ أو المشاهد الناشئ الذي يتشرب هذه التمثيليات الرخيصة سينمو بهذه السطحية والجفاف الفكري ولكن بكثافة أكبر ، حيث أنه سيتخذ من هذا النجم الملمع قدوة له ، كما يظهر هذا كثيرا عند السؤال : من هو شاعرك المفضل ؟ وكما هو معروف أن المقتدي لا يبلغ غايات قدوته ، فلك أن تتصور بشكل مرعب مقدار الخواء الذي سنخرج به كلما كررنا العملية .
قرأت مرة في أحد هذه اللقاءات الكونية الخالدة جوابا لأحدهم وقد سئل :
ماذا تقول في الشاعرة نازك الملائكة ؟
فأجاب : هذي من الإنس ولا من الجن ؟

5/2004
طبربور
 

Comments
أضف جديد بحث
الردود
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
الموقع الالكتروني:
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
ادخل الأحرف الظاهرة أمامك.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث: الثلاثاء, 29 ديسمبر 2009 12:32
 
للاستزادة ، أقترح عليك زيارة مدونة وسوم.
إن نسخت أو نشرت شيئا من وسوم فأشر إلى ذلك ، هذا ظني بك .